التحريض على الفساد!
إذا صدق المتحدث بجزء من لسان الاتحاد العام للعمال الجزائريين، وصحّت معلوماته، التي قال أنه سيكشفها ويُثبتها بالدليل والحجة، فعلينا أن نقرأ الفاتحة على روح الجزائريين، وهم الذين مثلما قال صاحبنا، استهلكوا نحو 50 ألف طن، من المواد الغذائية الفاسدة، أغلبها من السلع المستوردة!
ألهذا الحدّ بلغ الفساد والتسيّب والإهمال؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه السموم التي التهمها المستهلكون الجزائريون بلا حسيب ولا رقيب؟: هل وزارة التجارة؟ اتحاد التجار؟ التجار أنفسهم، المستوردون؟ أم الزوالية الذي يشترون كلّ ما هو بخس حتى وإن هدّد حياتهم؟
لا أعتقد أنه على الجزائريين، أن ينتظروا “الخير” من هيئات لم تعد تعرف ما تقول، والأخطر من ذلك أنها تقول ما لا تفعل، وتفعل ما لا تقول، ولكم أن تتصوّروا حال التجارة عندما تنصح الخبازين بتخفيف وزن الخبزة بدل رفع الأسعار!
المثل الشعبي يقول: “أنت عليك بترڤاڤ الخبزة، وأنا عليّ بالماكلة مرتين”، وعليه فإن وزارة التجارة، وقعت من حيث تدري أو لا تدري، في تحريض الخبازين ومن خلالهم كلّ التجار، على التطفيف في الميزان والسرقة، وإدخال الأيدي إلى الجيوب، وهذه هي الطامة الكبرى!
الحديث عن وجود تجار ينشطون بسجلات تجارية بأسماء إرهابيين وموتى ومجانين، من أجل ستر الفضائح والتهرّب من دفع الضرائب وكذا رعاية تبييض الأموال، يؤكد أيضا، أن الفساد، لا يخصّ فقط وحصريا، القطاعات العمومية والشركات الاقتصادية المنتجة، وإنـّما أصبح أيضا ماركة مسجلة في كلّ الميادين التي تحوم فيها الأموال!
من الخطورة بمكان، أن تصبح كلمة مال مرادفة لكلمة فساد، فهذه المعادلة الغريبة والخطيرة في نفس الوقت، تعمل على تفريخ الفساد والرشوة، في ظل انتقال “التشيبا” نحو مرحلة التقنين، وهنا يغيب العقاب في حق الراشي والمرتشي، وتحلّ نظرية البيضة والدجاجة، فمن سبق الآخر: الراشي أم المرتشي، ومن اقترح الرشوة على الآخر؟
بالعودة إلى حكاية الأسواق الفوضوية، التي أزاحت الحكومة جزءا منها، ووفـّرت “الحماية” لجزء آخر، تـُرسم كذلك علامات الاستفهام والتعجب، فبعيدا عن اسفادة البطال والزبون على حدّ سواء من هذه الأسواق غير المنظمة، إلا أن الكواليس والتحريات تؤكد أن “بارونات” استيراد – استيراد هي المستفيد رقم واحد من هذه “المارشيات” التي تسابق نحوها الوزير والمدير والمير قبل الغفير وسائق الحمير!
لعلّ الفساد الذي يُلاحق القطاع التجاري والأسواق ومحلات الجملة والتجزئة، لا يبشر بالخير، وهذا لا يعني أن كلّ محترفي هذا النشاط ضمن قائمة المتورطين والمتواطئين والمذنبين، لكن لنقلها بالفمّ المليان، أن التجارة التي كانت شطارة، تحوّلت أو تكاد تتحوّل إلى محضنة للخروقات والتجاوزات والنشاطات غير القانونية!
نعم، تبقى التجارة مهنة مباركة، لكن أن تتحوّل أو يُراد لها أن تتحوّل إلى حرفة للفساد والإفساد، وأيضا إلى غطاء للتستـّر على فضائح النهب وتبييض الأموال والتهرّب الضريبي والجمركي والتطفيف في الميزان وخرق قوانين المنافسة الشريفة والنظيفة وأبجديات العرض والطلب، فهذا يستدعي، استفاقة ضمير، وتحرّكا سياسيا وقضائيا وأمنيا وإعلاميا، حتى لا تصير التجارة خطرا على أمن واستقرار البلاد والعباد!