الرأي

التربية: طاولات وكراسي أم صراع فكري وسياسي؟

محمد سليم قلالة
  • 5252
  • 25

هناك تغطية واضحة للفشل الذي يعرفه قطاع التربية، بالصراع الفكري والسياسي، لقد تبين بالأمس عند الدخول المدرسي أن الذين يتطاولون على مواد الهوية واللغة ويسعون ليبدوا ممثلين للعصرنة والتقدّم غير قادرين حتى على معرفة عدد الأساتذة الذين يحتاجونهم والأقسام التي تستطيع استقبال التلاميذ المسجلين لديهم وعدد الطاولات والكراسي التي سيَجلسون عليها…

 كيف لِمَن لم يتمكن من التّحكم في مسائل لها علاقة بالإمكانات المادية، والتي يمكن لأبسط المسيِّرين أن يتوقعها ويجد الحلول لها أن يزعم أنه قادرٌ على صوغ استراتيجية جديدة للقطاع، والانتقال به إلى الجيل الثاني أو الثالث من الإصلاحات، كيف لِمَن يفتقد إلى أبسط قواعد التخطيط والاستشراف أن يَدّعي القدرة على الارتقاء بهذا القطاع إلى المستويات العصرية والعالمية؟ بل ويُصنِّف نفسه عصرانيا في مقابل آخرين يراهم متخلفين ومنغلقين على ذواتهم؟

أظن أنه على وزارة التربية أن تَكف عن الحديث في المسائل الكبرى مادامت لم تتمكن من حل المشكلات الصغرى! وأنه عليها قبل الزعم بأنها ستتصدى لمسائل الصراع السياسي في البلاد، وأنها ستضع الآليات للانتصار على خصومها في جبهة الصراع الفكري، أن تحل مشكلة  الإطعام المدرسي والنوافذ المهشمَّة والمدارس التي لا تجد من يسيِّرها والتلاميذ الذين لا يجدون الوسيلة التي يتنقلون بها في المناطق النائية والصحراوية المتباعدة بعشرات الكيلومترات…

لِتترك الوزارة هذه المسائل الكبرى إلى مستويات أخرى إن وُجدت، ولِتنشغل بمهامها الأولية قبل أي كلام آخر…

لقد تأكد لنا جميعا اليوم أن هناك بالفعل مبالغة في تغطية المشكلات الحقيقية التي يعرفها القطاع بالمسائل ذات الطبيعة الإيديولوجية والسياسية، وأنه علينا أن نضع حدا لهذا الانحراف.

ليس من مهمة الوزارة، أن تَبتّ في مسائل لها علاقة بالخيارات الكبرى للبلاد، وليس من مهامها الخوض في مسائل سياسية أو إيديولوجية، بل عليها أن تتفرّغ لإيجاد الإطار الملائم لتنفيذ سياسات التعليم التي تضعها الدولة بمساهمة الجميع ودون إقصاء لأحد، وإذا لم تتمكن من ذلك فهذا سببٌ آخر لتكون محل سؤال.

وهي اليوم بالفعل محل سؤال أمام ما نراه من اضطرابات على مستوى التحكم تقنياً في الدخول المدرسي، وعلى مسؤوليها العودة إلى حجمهم الحقيقي: بدل الحديث عن المسائل الكبرى، عليهم أن يُثبتوا  قدرتهم على التحكّم في أبسط الأشياء، عدد الطاولات والكراسي، وأن يحلوا بعدها مشكلات التلاميذ التي ما فتئت تؤرِّق الأولياء، ويهتموا بمشكلات المعلمين والإداريين المادية والمعنوية من أجور ومساكن وتكوين، لعلهم يعطوا بعض الأمل للناس… أما الخوض في مسائل الصراع الفكري وغيرها، فتلك مهمة هي اليوم أكبر منهم بكل تأكيد.

مقالات ذات صلة