التقشف ينسف تعويضات نزع الأراضي من المواطنين
تنام المديرية العامة لأملاك الدولة على عشرات الآلاف من ملفات التعويض عن الملكية الخاصة التي حولت إلى احتواء المشاريع العمومية طيلة فترة البحبوحة المالية، بالمقابل يجد أصحاب آلاف الهكتارات المنزوعة بقوة القانون أنفسهم تائهين بين مختلف المصالح الإدارية تتقاذفهم الإجراءات الإدارية والبيروقراطية، وتهددهم الضائقة المالية التي تواجهها البلاد والإجراءات التقشفية التي جعلت العديد من الملفات في خانة المرجإ إلى أجل غير مسمى.
كشفت مصادر حكومية لـ “الشروق” أن سياسة ترشيد النفقات وتسقيف الميزانيات القطاعية التي تأتي في سياق قرار الحكومة تسقيف ميزانيتها العامة إلى حدود 6000 مليار دينار طيلة ثلاث السنوات القادمة، لم يؤجل المشاريع العمومية التي لا تشكل أولوية فقط، بل أجل تسوية العديد من الملفات التي تحتاج إلى أغلفة مالية ضخمة، مثلما عليه الأمر بالنسبة إلى نزع الأراضي التي احتضنت المشاريع العمومية، من سكنات ومستشفيات ومدارس وشكلت أروقة لهياكل الدولة القاعدية من طرقات وسكك حديدية وموانئ جافة وغيرها.
ورغم أن المراسيم الرئاسية المتعلقة باستحداث المدن، والمرسوم التنفيذي المتعلق بنزع الملكية الخاصة لصالح المنفعة العمومية، أقرت التعويض عن الملكية صراحة والطعن في قيمة التعويض واللجوء إلى العدالة دون تعطيل المشاريع، إلا أن عمليات التعويض استهلكت عشرات السنوات دون أن تصل التعويضات أصحابها، ورغم تضارب الأرقام بخصوص المساحات المنزوعة، سواء المصنفة كأراض فلاحية أم غيرها، إلا أن مصادرنا أكدت أن مشاريع برامج التنمية التي شهدتها البلاد عبر ولايات الجمهورية، التي استدعت تحويل أراض فلاحية وتأميمها لصالح المشاريع ذات العلاقة بخدمة المواطن مباشرة استهلكت مئات آلاف الهكتارات.
مصادرنا من وزارة المالية أكدت أن ملف تعويض الملكية يعد أهم ملف يؤرق مديرية أملاك الدولة المعنية بعمليات التقييم التي تثير امتعاض المالكين المنزوعة أراضيهم، لعدة عوامل، تتصدرها كيفية التقييم التي تخضع للسعر الرسمي الذي يكون بعيدا عن سعر السوق، إلى جانب البيروقراطية التي جعلت عمر بعض الملفات يتجاوز الـ18 سنة، ليضاف إلى هذين العاملين واقع شح الموارد المالية وخيار ترشيد النفقات، الذي يفرض على العديد من الهيئات المعنية بالتعويض التقشف في الأغلفة المالية المرصودة لهذا الشأن وتحويلها بحجة الأولويات.
وزارة المالية العاجزة عن تسوية المشكل، تقر حق التعويض عن حق الامتياز للأراضي الفلاحية التابعة للدولة ويمنح هذا التعويض فقط في إطار عملية نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، أما في حالات التنازل بإرادتهم عن الامتياز فليس لهم الحق في التعويض أي بعيدا عن نزع الملكية، ويقدر هذا التعويض بـ 60 بالمائة من القيمة التجارية للأراضي الفلاحية في حين تحتفظ الدولة بنسبة 40 في المائة كحق للملكية الرقابية لطبيعة الأرض الفلاحية أو غيرها.
أما التعويض عن حق الامتياز عن الأراضي الفلاحية التابعة للأملاك الخاصة للدولة في إطار نزع الملكية من أجل المنفعة العامة فيشمل الأملاك السطحية أي كل ما له علاقة بالاستثمارات التي تضمها الأراضي وكذا الحقوق العينية المتعلقة بالامتياز لمدة 40 سنة.
والغريب في هذا الملف أنه يفترض بحكم القانون أن الأغلفة المالية للمشاريع العمومية تتضمن في غالب الأحيان الأغلفة المالية المخصصة للتعويض عن نزع الملكية، بغض النظر عن مدى رضا مالكيها أو رفضهم أو لجوئهم إلى التظلم أو المحاكم.