الرأي

التقية السلفية!!

عدة فلاحي
  • 4986
  • 17

إذا كان الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل كما جاء في الحديث الشريف، فإيماني بالنقد وبالرأي الآخر الذي أبشر به يفرض علي أن أتنازل عن جزاء من هذه المساحة لتمكن القارئ المحترم من الاطلاع على الرد الذي استهدفني من السلفيين الذي نشر في افتتاحية العدد الأخير من مجلة الإصلاح باسم مدير المجلة بعنوان “التقية السلفية”!! والذي جاء فيه:

“إن أحد المذعورين من انتشار الدعوة السلفية في بلادنا، ممن استحكمت فيه عادة التهجم عليها وعلى المنتسبين إليها، لا يكاد يخلو له ظهور في وسائل الإعلام إلا ومادة حديثه التعريض بالسلفيين، واستنفار الجهات الرسمية للوقوف في وجههم، لأنهم في زعمه الآسن يهددون المرجعية الدينية للوطن ويمثلون خطرا داهما، ووصل به الأمر إلى حد التشكيك في انتمائهم لوطنهم.

كل ذلك لم يشف غليله، فراح هذه المرة يطلق فرية مفادها أن السلفيين يستعملون “التقية السلفية”!! أي أنهم يتظاهرون بالقول بعدم جواز الخروج على الحاكم ومنع الإضرابات والمظاهرات وغير ذلك من المسائل ريثما تخلف هذه الظروف التي يعيشونها اليوم ظروفا أخرى مواتية، لينقلبوا على قولهم، ويتركوا جميع هذه القناعات إلى فتوى أخرى تأتيهم من مراجعهم من وراء البحار،على حد كلامه، وهذه شقشقة فيها موه وتضليل، وقلب وتغفيل، إذ كيف يعقل أن يلجأ السلفيون إلى هذه “التقية”وهم يجهرون بدعوتهم في كل وقت ومكان بالبنان والبيان، والقلم واللسان، بل حتى في سنوات القتل والإرهاب لم يرعهم تهديد ولا وعيد عن إذاعة ما يعتقدون، فكيف وقد آب الناس اليوم إلى الأمن والطمأنينة، وحلت عقدة التعبير وفتح الباب على مصراعيه، ليعب كل ذي رأي عن رأيه دون خوف أو وجل، لكن هذا (الدكتور) المذعور لما ألف السياسة وأساليبها، وتعود التلون والتنق من حزب إلى آخر، خيل إليه أن الجميع على هواه يسري، وفي مسالك السياسة يجري، والواقع يخالفه ويكذبه، لأن السلفية دين يتبع ويرتضى، ومنهج يقتفى، ويراد من لزومه وجه الله والدار الأخرى.

فحق أن يقال لصاحب هذه الفرية المفضوحة: لقد أبعدت النجعة وأزكمت الأنوف بفريتك السخيفة، فردها إلى كيسك، وتعد إلى مثلها، حتى لا يضحك الناس من قولك، واعلم أن ميدان النزال لا يقتحم إلا بالصدق والبرهان.

رد على الرد: لا يمكن لصاحب الافتتاحية أن يتسع صدره وينشر ولو مقالا واحدا ينتقد السلفيين والسلفيين وبالتأكيد سيحرجه الأمر ربما حينما أحسن إليه بنشر رده في الركن المخصص لي بجريدة الشروق بعدما أساء إلي، ولكن لا غرابة فهذا هو طبع السلفيين يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو، كما أن من عاداتهم تجنب ذكر اسم الشخص الذي يعلنون عليه حربهم ويكتفون فقط بذكر مواصفاته وعلاماته وهذا للتقليل من شأنه وهذه ثقافة لا نجدها حتى عند غلاة العلمانيين والملحدين فما بالك ممن يدعون أن السلفية دين يتبع ويرتضى وهم بذلك بدلوا دين الإسلام كما جاء على لسانهم، بدين آخر ارتضوه لأنفسهم ويريدون أن يفرضوه علينا بالقفز على الحقائق والمتغيرات، وإذا كنت “ممن ألف السياسة وأساليبها، وتعودت التلون والتنقل من حزب إلى آخر”، فهذه لم يسلم من علتها حتى من هم في أعلى مراتب السلطة والحكم ولكن ما يهم في الأمر هو أنني لم أتنقل من قناعة إلى أخرى مناقضة لها ولم أتحول من حزب الفقراء إلى حزب الأثرياء طمعا في مال أو جاه، فحركتا (النهضة والإصلاح) التي انتميت إليهما لأسباب قاهرة ثم طلقتهما طلقة السياسي الناقد المغضوب عليه دائما، هما من أسرة واحدة ومدرسة واحدة فرقت بينهما الأطماع، ولكن فليعلم مدير مجلة الإصلاح السلفية أنه بالرغم من كل ذلك لم أتورط في فساد ولم أضبط محطتي على موجة خارجية أو أتنقل من وطن إلى آخر، وهذا هو الذي نختلف حوله ويجعلنا نخشى من “التقية السلفية” وغيرها التي ترضى بأن يكون لها قلبان في جوف واحد وهذه حالة غير طبيعية ولا داعي لذكر أشياء أخرى في العشر الأواخر من شهر الصيام، وفي الأخير هذا ابن الرمي يسلم عليك ويقول:

ومن البلية عذل من لا يرعوي  ** عن جهله وخطاب من لا يفهم

.

*كاتب وبرلماني سابق

مقالات ذات صلة