التمرير.. مرض العصر الذي يهدّد صحة الجزائريين
زرعت التكنولوجيات الحديثة، عادات جديدة وسلبية على الأشخاص، بينها الاعتياد على تصفح مواقع التواصل الاجتماعي بمجرد الاستيقاظ من النوم صباحا، أي قبل غسل الوجه وشرب القهوة، بل حتى قبل التقلب في السرير، وهذا السّلوك الذي يطلق عليه علم النفس اسم “التمرير”، كسلوك غير صحي يهدّد العقل البشري، ويؤثر على الدماغ.
وكثير من الجزائريين، ومن مختلف الفئات العمرية، يبدأ أول دقيقة من يومه الصباحي بتصفح منصات التواصل الاجتماعي، بحثا عن أي جديد ضيّعه خلال نومه ليلا.. تحول بذلك السرير من مكان راحة واسترخاء وأمان إلى مصدر قلق وتوتر!
والأصل، أن يستيقظ الشخص ثم يغسل وجهه، فيشرب قهوته أو يتناول فطوره، ثم يستعد ليومه إن كان عاملا أو حتى بطالا، ولكن هذه المعادلة الطبيعية والصحية تخلت عنها فئات كثيرة في مجتمعنا، وصار يومها يبدأ بالهاتف الذكي، فيأخذ من وقته الصباحي أكثر من ساعتين أحيانا.. بل حتى أطفال أقل من عمر 6 سنوات يطلبون الهواتف بمجرد استيقاظهم.
ووصفت المختصة في علم النفس، رانيا زروق، هذه العادة التي يطلق عليها علم النفس اسم “التمرير”، التي باتت غريزة أو إدمانا لدى أشخاص كثر على تصفح هواتفهم الذكية بمجرد استيقاظهم، وغالبا فهم يقومون بهذه العادة “لاشعوريا، لأنها انغرست في دماغهم وأصبحت آلية”.
وقالت في تصريح لـ”الشروق”، إن بعض الجزائريين يشاهدون فيديوهات كاملة ويتفاعلون معها، وهم بعينين نصف مُغمضتيْن صباحا.. البعض يفارقه النعاس ليلا فيسحب هاتفه ويكمل معه بقية ساعات ليله الطويل!
أحد أخطر عوامل الإصابة بالسكري وارتفاع الضغط
وكشفت زروق، أن هذه العادة “السلبية” خطرها كبير على الصحة العقلية والنفسية لصاحبها، لأنها تزيد من معدلات العصبية والقلق لدى المدمنين على هذا السلوك، “بل إن هذا الشخص يُمضي ليلة متعبة، لأن دماغه يبقى منشغلا في تصفح هاتفه صباحا، ويفكر في الأخبار التي ربما فاتته في أثناء نومه، وبالتالي، لن يستفيد من نوم صحي ليلا، ما يجعله يمضي نهارا سيئا مليئا بطاقات سلبية”.
وذكرت المختصة أن بعض الأشخاص زاروها في عيادتها طلبا للعلاج من ظاهرة “التمرير”، بعدما تحولت لديهم عادة تصفح الهاتف صباحا إلى وسواس قهري.
وقالت إن أحد الأشخاص وهو متزوج وأب لأربعة أطفال، أخبرها بأنه أصبح يقضي ليلة مليئة بالكوابيس والأحلام المزعجة، جميعها متعلقة بهاتفه النقال، بل صار يحلم بأن هاتفه النقال يتكلم معه ويطلب منه الاستيقاظ ليلا”.
ووصفت محدثتنا هذه الحالة النفسية، على أن صاحبها وصل إلى مرحلة الهوس بهاتفه وإصابته بمتلازمة “الخوف من أن تفوته معلومة أو حدث معين”، وهو ما أدخله في حالة قلق مستمر ووسواس قهري، يجبره على حمل هاتفه في أي وقت.
دوامة من الخوف سببها مواقع التواصل
وبحسب المتحدثة، فإن محاولة المريض الخروج من هذه الحالة لم يتمكن منها، إلا بمساعدة المختصة النفسانية، فأغلبية الذين يصابون بهذه المتلازمة، هم أشخاص ينهون سهرتهم الليلية والهواتف بين أيديهم، إذ يبقى آخر ما فعلوه ليلا راسخا في عقلهم الباطن إلى غاية الصباح.
وأكدت زروق أن ظاهرة إدمان تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ارتفعت نسبتها خلال أزمة “كورونا”، ثم الحرب الروسية – الأوكرانية، وبعدها حرب غزة، بحيث بات الناس يبحثون عن أي أخبار مفرحة في وسط كمّ الحروب، أي يبحثون عن الأمان عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتأتي نتيجة هذه العادة عكسية تماما، بحيث تجعل صاحبها خائفا باستمرار.
ومن الأعراض السلبية المستقبلية التي تسبّبها ظاهرة “التمرير” إصابة صاحبها بارتفاع هرمون الكورتيزول بجسده بسبب التوتر، فيجعله عرضة لأمراض القلب وارتفاع الضغط الدموي، السكري، السكتة القلبية أو الدماغية المفاجئة، الاكتئاب المزمن، دخوله في عزلة وصعوبة التواصل مع المقربين منه ومع المجتمع ككل.