الرأي

التنظيم النقابي بين النص والتطبيق

الأستاذ: العابد بكاري
  • 2899
  • 0

بمقتضى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم87 المتعلقة بالحرية النقابية، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 المتعلقة بتطبيق مبادئ حق التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية والمصادق عليهما من طرف الجمهورية الجزائرية، بمقتضى العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليهما من طرف الجمهورية الجزائرية، واستنادا لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 135 بشأن توفير الحماية والتسهيلات لممثلي العمال والمؤسسات، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 144المتعلقة بالمشاورات الثلاثية لتعزيز تطبيق معايير العمل الدولية، المعتمدتين بجنيف والمصادق عليهما من طرف الجمهورية الجزائرية، وتثمينا للجهود الرامية إلى مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، وضرورة الانسجام مع متطلبات الديمقراطية وتعزيز الحقوق والحريات الفردية، والتي من بينها حماية الطبقة العاملة وتحسين ظروف العمل والارتقاء بالمستوى المعيشي للعمال…

بموجب ذلك كلّه، جاء القانون رقم 23-02 المؤرخ في 23/04/2023 والمتعلق بممارسة الحق النقابي الملغي للقانون رقم 90-14 بتاريخ 02/06/1990 المعدل والمتمم بالقانون 22-06 ليرمم بعض القصور ويعالج الاختلالات القانونية التالية:

01– تسعى الدولة إلى مقاربة جديدة تكرس مبادئ التعددية والتداول على السلطة وتكافؤ الفرص عن طريق تحديد العهدة النقابية بـ5 سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. (المادة 56).

02– معالجة ظاهرتي التضخّم والتميّع النقابي، إذ أحصت وزارة العمل خلال السنة الجارية 160 نقابة؛ منها 43 نقابة ليس لها نشاط و99 منظمة نقابية عمالية؛ منها 72 نقابة متمركزة، تنشط بالوظيف العمومي؛ 34 منها بقطاع التربية و20 منها بالقطاع الصحي، أي ما يمثل نسبة 60% من مجموع النقابات بالوظيف العمومي، و27 منها في القطاع الاقتصادي من ضمنها 11 نقابة متواجدة بقطاع النقل، وذلك بربط النص الجديد مسألة بلوغ الهيئات النقابية المؤسسة قانونا مستوى التمثيلية بتحقق معيارين وهما 1– الحصول على عدد المنخرطين 25% على الأقل من التعداد الكلي للعمال. 2- حصول مرشحي الهيئة النقابية على نسبة 25% على الأقل المعبر عنها في انتخابات مندوبي المستخدمين. (المادتان 68 و73).

03– الحرص على تكريس حرية العمال الأجراء والمستخدَمين في تأسيس منظمات نقابية قاعدية، وكذا الحرية في الانخراط في أي منظمة من المنظمات النقابية، كما يجوز لهذه المنظمات التجمُّعُ في فدراليات وكنفدراليات، والتي تتساوى جميعا في الحقوق والواجبات نفسها، وذلك بهدف تكريس الحرية والتعدّدية، وتوحيد الرؤى والمطالب النقابية (المواد: 25،22،19) لأن الواقع أثبت أن عمال المؤسسات التي تمتلك نقاباتٍ قوية بأكبر عددٍ من المنخرطين، تحسنت أوضاعهم المالية والاجتماعية، في حين تدهورت أوضاع العمال التابعين إلى نقابات ضعيفة أو أحادية النظرة.

04– أوجب النص الجديد أن ترسل المنظمات النقابية القاعدية والفدراليات والكنفدراليات كل3 سنوات استنادا للمنصة الرقمية رقم التسجيل لدى الضمان الاجتماعي لكل أجير واشتراكاته بالنسبة للمنظمات النقابية. وكذا بالنسبة للمستخدم، بالإضافة إلى إلزامية إيداع التقارير الأدبية والمالية السنوية، وذلك بهدف رقابة تسيير الهيئات النقابية وتفادي تبديد المال العام (المادتين 81،52).

05– يمنع النص الجديد الجمع بين العضوية في القيادة النقابية وممارسة وظيفة سلطة لدى المستخدم. كما يمنع النص ذاته الجمع بين العضوية في القيادة النقابية وممارسة القيادة الحزبية، درءا للتعسف في استعمال السلطة وتكريس الفصل بين العملين للتكفل بالمطالب النقابية بعيدا عن التوظيفات السياسوية (المادتان 9،12). كما قد يفسَّر هذا النص على أنه إفراغٌ للهيئة النقابية من محتواها ومن كوادرها القوية وإضعافها بإسناد قيادتها لذوي المراتب المتدنِّية في هرم المؤسسة الفاقدة للتجربة والحنكة خلافا لفحوى المادة 69 من الدستور التي تؤكد على ممارسة الحق النقابي بحرِّية.

06– من دون الإخلال بالمادة 55 التي تنصُّ على أن يكون مسؤول المنظمة النقابية من جنسية جزائرية، أجاز النص الجديد للأجانب أن يكونوا أعضاء في قيادة نقابية في حدود 30% من أعضائها إذا كانوا مقيمين منذ 3 سنوات على الأقل بالجزائر، حائزين سندات عمل صالحة، تناغما مع ما جاء في النصوص الدولية المتعلقة بإشراك الأجانب في الحياة النقابية.

07– حدد النص الجديد صلاحيات المنظمات النقابية التمثيلية في: -التشاور والتفاوض الجماعيين –إجراءات وقائية من النزاعات الجماعية –ممارسة حق الإضراب، أما عن صلاحيات المنظمات النقابية الأكثر تمثيلية فتتجسد في: استشارتها في المسائل التالية: -إعداد ومراجعة قوانين العمل-المصادقة على المعاهدات. فضلا عن المشاركة في مشاورات الحوار الاجتماعي الثلاثي كما تمثل في: -مجالس الإدارة للمؤسسات -المجلس الأعلى للوظيفة العمومية -المجلس المتساوي الأعضاء. كل ذلك من أجل ترسيخ قواعد نزيهة للمنافسة في كسب القاعدة العمالية، بعيدا عن سلوك الدعم ولجان المساندة لأي مرشح (المواد 91،90،89،88).

يمثل هذا النص أيضا تحديا بارزا للسلطات العمومية في الوثوق بالنقابات، والعمل على إزاحة العلاقة التصادمية بين النقابات وأرباب العمل، والترسيخ لثقافة التعاون والتكامل بينهما بمقتضى الحوار البناء، والتقويم والتصويب للرقيّ بالمنشأة الاقتصادية، وخلق مناخ هادئ وبيئة نزيهة تسودها أخلقة العمل النقابي، والوقوف من كل النقابات على مسافة واحدة.

08– أضاف النص الجديد شرطين للترشح للمندوبين النقابيين: -إثبات مؤهِّلات مهنية -إثبات تكوين نقابي، تكوين في مجال قانون العمل، بغية رفع مستوى الأداء النقابي وبلوغ الاحترافية (المادة 101). كما نقترح حتمية تكوين النقابيين في تقنيات الاتصال والتواصل الحديثة، مهارات إدارة الاجتماعات، صياغة التقارير، تكتيك التفاوض، إدارة الأزمات.

09– مراجعة النص الجديد النسب المئوية وتخصيص مندوب نقابي واحد للمؤسسة التي يعمل بها أقل من 30 منخرطا، وهذا الإشكال قد واجهته الكثير من المنشآت الاقتصادية في ظلّ القانون القديم (المادة 102).

10– عزَّز النص الجديد حماية العضو النقابي بمنع تسريحه أو تسليط عقوبة في حقه بمناسبة نشاطه، أو تحويله إلى مكان آخر، إلا في حالة الضرورة المبررة، وفي المقابل اعتبر النص ذاته أن نداءات النقابيين للتوقف عن العمل أو الامتناع عن تنفيذ بعض المهام التي ينتج عنها إخلالٌ في نشاط المؤسسة، لا تندرج ضمن النشاطات النقابية المحمية، فضلا عن المطالب غير المشروعة، والسب والشتم والتهديدات الصادرة عن نقابيين تعرِّض أصحابها إلى عقوبات تأديبية صارمة. بالإضافة إلى أحقية المستخدِم في مباشرة الإجراء التأديبي في حال إخلال النقابي بالتزاماته المهنية مهما كان وضعُه القانوني في المنظمة. (المواد 128،127،126،125).

11نصَّ القانون الجديد على أن أجرة العضو النقابي غير مستحقة في حالة غيابه عن العمل، كما تعلَّق الأجرة في وضعية الانتداب، وتكون الأجرة على عاتق المنظمة النقابية التي يتبع لها النقابي (المادة 119). مما يستوجب من باب الاقتراح البحث عن آليات موضوعية لمراقبة والكشف عن الانتدابات الحقيقية والصورية، مع ضرورة التفكير في موارد تمويل خاصة لتغطية تكاليف مهام المنتدَبين الجادّين لأن موارد النقابات قطعا لا تفي بالغرض لمحدوديتها، وذلك تفاديا لتعميم تهمة التقصير على جميع النقابيين.

12– أورد النص الجديد أنه بعد استنفاد إجراءات الوقاية وتسوية النزاعات الفردية، وفي حال تسريح العامل النقابي خرقا للقانون، يبتُّ القضاء في القضية المطروحة في أجل 30 يوما، بحكم مشمول بالنفاذ المعجّل مع إلزام المستخدِم بإعادة إدماج العامل المسرَّح في منصب عمله بقوة القانون من دون إخلال بحق التعويض جبرا للضرر الملحق (المواد 141،140،138،137،132).

من دون الإخلال بالمادة 55 التي تنصُّ على أن يكون مسؤول المنظمة النقابية من جنسية جزائرية، أجاز النص الجديد للأجانب أن يكونوا أعضاء في قيادة نقابية في حدود 30% من أعضائها إذا كانوا مقيمين منذ 3 سنوات على الأقل بالجزائر، حائزين سندات عمل صالحة، تناغما مع ما جاء في النصوص الدولية المتعلقة بإشراك الأجانب في الحياة النقابية.

بالرغم من أهمية النقاط الايجابية التي تضمنها النص الجديد، إلا أنه في واقع الأمر ترتَّب على إصدار هذا النص الذي لم يستوف حقه الكامل من التشاور والتحاور من طرف ذوي الاختصاص بحسب آراء الكثير من الملاحظين، بالرغم من استشارة أزيد من 73 منظمة نقابية كما تشير بعض المصادر، ترتّب عنه العديد من المخاوف والتوجسات والتي نوجزها في ما يأتي:

01– إن النسبة التمثيلية المشار إليها أعلاه والمقدرة بـ25%، قد تبدو في نظر بعض المختصين نسبة قاسية إلى حدّ ما، مع الأخذ بعين الاعتبار نسب العزوف عن الانخراط النقابي، إذ كان الأجدر اعتماد نسبٍ تصاعدية مرحليا، تبدأ بنسبة 20% لتصل إلى النسبة المرجوة وهي 25%.

02– إن منع الجمع بين العضوية في القيادة النقابية والعضوية في القيادة الحزبية الذي أقره القانون الجديد يشكل فرصة هامة لتكريس مبدأ التخصص والتفرغ التام لانشغالات العمال، على الرغم من توجس البعض من هذا الفصل، معتبرين أن ذلك سيؤدي لا محالة إلى إفراغ إحدى المؤسستين من الكوادر القيادية التي تصبح ملزَمة بالاختيار بين العمل في القيادة النقابية، أو قيادة النضال السياسي الحزبي. وفي تقديري، فإن هذا الفصل لن يلغي الدور الفعال للنقابة كأهمِّ رافد من روافد المؤسسة الحزبية، وكأحد الخزانات المنتجة والمصدِّرة للكوادر والقيادات الحزبية السياسية المستقبلية والمكوِّنة لها.

 03– إن نجاح العمل النقابي مرهونٌ بحتمية كسر الصورة النمطية القاتمة للنقابة لدى غالبية المجتمع، عن طريق التَّـنشئة والتأهيل الصحيح للفرد، ونشر القيم الأخلاقية السامية في أوساط العمال مثل إفشاء المحبة، إتقان العمل، رفع المردودية، الاعتناء بالكفاءات، تشجيع روح المبادرة والإبداع، تحفيز النخبة الملهمة، كل هذه الظروف ستفرز مستقبلا قيادة نقابية رشيدة ومقتدرة تضطلع بالدفاع عن مصالح وحقوق العمال بالدرجة الأولى لا الاتّجار والعبث بمصائر القاعدة العمالية.

04– من باب الاستشراف سيواجه هذا النص مرحلة من التحدي من قبل العدد الهائل من المنظمات النقابية المطالِبة بمطابقة قوانينها الأساسية للقانون الحالي خلال ستة أشهر، وتقديم عناصر تمثيليتها للسلطات المختصة في ظرف سنة واحدة من تاريخ نشر النص، وإثبات وجودها ميدانيا بالعمل النقابي النزيه، واستقطاب القواعد العمالية للتكتل ضمن فدراليات وكنفيدراليات، للتنافس مع المنظمات النقابية المهيكَلة والعريقة، واكتساب القدرة التفاوضية والإسهام في رسم استراتيجيات التنمية الاقتصادية والسياسات العامة للشغل، والمشاركة في التفاوض الجماعي.

05– يمثل هذا النص أيضا تحديا بارزا للسلطات العمومية في الوثوق بالنقابات، والعمل على إزاحة العلاقة التصادمية بين النقابات وأرباب العمل، والترسيخ لثقافة التعاون والتكامل بينهما بمقتضى الحوار البناء، والتقويم والتصويب للرقيّ بالمنشأة الاقتصادية، وخلق مناخ هادئ وبيئة نزيهة تسودها أخلقة العمل النقابي، والوقوف من كل النقابات على مسافة واحدة دون اعتبارات الشرعية التاريخية، مما سيعيد الثقة في نفوس العمال، ويشجع الأصفياء لخوض غمار الممارسة النقابية التي ظلّت حكرا على فصيل معين لعقود من الزمن.

أحصت وزارة العمل خلال السنة الجارية نحو 160 نقابة؛ منها 43 نقابة ليس لها نشاط و99 منظمة نقابية عمالية؛ منها 72 نقابة متمركزة، تنشط بالوظيف العمومي؛ 34 منها بقطاع التربية و20 منها بالقطاع الصحي، أي ما يمثل نسبة 60% من مجموع النقابات بالوظيف العمومي، و27 منها في القطاع الاقتصادي من ضمنها 11 نقابة متواجدة بقطاع النقل.

بناء على ما تقدَّم يمكن أن نخلص إلى أن المشرِّع في النص الجديد سعى إلى تدارك القصور الملحوظ بتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص، والمساواة في التعامل مع النقابات وتوفير الضمانات القانونية للنقابيين، وتعزيز استقلالية الهيئات النقابية، فضلا عن التماهي مع الالتزامات الدولية. لكن بالرغم من معالجة الأوضاع بالنصوص القانونية يظلّ واقع الشغل بعيدا كل البُعد عما تتضمّنه النصوص القانونية من مقاصد وأبعاد، مما يقتضي الأمر توفر الإرادة السياسية الحقيقية للتعامل مع النقابة، باعتبارها ضرورة للمجتمع الديمقراطي وشريكا اجتماعيا أصيلا في رسم السياسة العامّة للشغل، وصمام أمان للأمن القومي تترجم في تفعيل هذا النص الإطار على أرض الواقع، وخلق جو من التكامل بين المنظمات النقابية ومفتشيات العمل وأرباب العمل، بهدف تحقيق التوازن بين مصالح المؤسسة ومصالح العمال، وتجسيد التنمية الاقتصادية وتحسين الظروف الاجتماعية والمعيشية للأفراد وضمان الحياة الكريمة المنشودة.

مقالات ذات صلة