التوافق المغيب على بناء دولة تقبل بالتداول على السلطة
في بلد خضع لعقدين من الصقيع المستدام مع تعددية عرجاء، بعد ثلاثة عقود من التيه في صحارى الحزب الواحد، ومع تغييب التوافق الواجب حول بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون، والاتفاق على محرك دائم لتنمية مستدامة، تبقى المسارات الانتخابية محض سوق للترويج لبضاعة تجارة الفصول الأربعة.
- الربيع العربي المعطل في أكثر من قطر عربي، قد تتفتح أزهاره في الجزائر أواسط الربيع الجغرافي، في شهر مايو القادم، إذا كان المقصود من الربيع وصول قوى سياسية بديلة للسلطة عبر الانتخابات البرلمانية، لأن التشريعيات القادمة في الجزائر لا تختلف في معظم مفرداتها عن التشريعيات التي أوصلت حركة النهضة التونسية إلى السلطة، ومنحت أغلبية واسعة للإخوان والسلفيين في برلمان مصر، وهي بجميع المواصفات ستكون أفضل من التشريعيات التي أوصلت حزب العدالة والتنمية لقيادة حكومة صاحب الجلالة في المغرب.
الزور في المخاوف من التزوير
حتى الآن كان الاعتراض الأكبر لأحزاب المعارضة ينصب على وجود مخزون وهمي من الناخبين، قدره البعض بحوالي 6 ملايين ناخب، وهو اعتراض حقيقي في زمن آخر، كانت تجري فيه الانتخابات وسط تجاهل محلي ودولي، غير أن تفعيل التزوير بهذا المخزون من الناخبين الوهميين يبقى مستبعدا، ولن يكون له تأثير يذكر إذا ما تواجدت الأحزاب داخل مراكز الاقتراع والفرز بكثافة، ولا أرى كيف تستطيع الإدارة تمرير مثل هذا التزوير مع وجود ممثلين عن الأحزاب، ورقابة قضائية على عملية الفرز، إلا إذا أخفقت الأحزاب في دور الرقابة الذي حدده قانون الانتخابات، أو كان القضاء الجزائري أسوأ من القضاء المغربي والتونسي والمصري.
الاعتراض الثاني كان دائما على إغلاق السلطة لوسائط الإعلام الثقيل، ومنها التلفزيون، وهذا أيضا اعتراض واهٍ، لأكثر من سبب، ذلك لأن الإعلام الثقيل، ومنه التلفزة الوطنية، قد أصبح إعلاما هامشيا، ليس له ذلك التأثير المزعوم، ولأن معظم المواطنين هم في قطيعة مستدامة مع الإعلام الحكومي منذ عقود، ثم إن الإعلام السمعي البصري قد فتحت أبوابه منذ شهور، ولم نر القوى السياسية البديلة تسارع إلى احتلال الفضاء الجديد المفتوح.
خوف النخبة من عزوف الناخبين
ولأول مرة منذ إلغاء تشريعيات 91 ، يجري استحقاق انتخابي تحت سقف القانون العادي بعد إلغاء مرسوم قانون حالة الطوارئ، الذي كان متهما عن حق بتعطيل الحياة السياسية. ويكفي أن نذكر هنا أن “الثورة” المصرية لم تنجح حتى الآن في تعطيل قانون حالة الطوارئ الذي يفعله المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بين حين وآخر، وهو ساري المفعول في تونس، ولم يعطل الحراك الذي قاد الإسلاميين إلى الفوز، فماذا بقي إذن من أوجه الاعتراض على السلطة، سوى التخوف من تفعيل بعض أحكام قانوني الانتخاب والأحزاب لحرمان بعض المواطنين من الترشح، قد يطاول تحديدا بعض الشخصيات المحسوبة على الحزب المنحل.
جميع هذه التحفظات لا ترقى إلى المستوى الذي يخشى معه على سلامة الاستحقاق القادم، مثلما يخشى عليه من عزوف الناخبين عن المشاركة فيه، ليكون -إن هو حصل- طلاق بائن بين المواطنين وأفرقاء المشهد السياسي من هذه الطبقة السياسية التي تحتاج مثلها مثل النظام إلى ثورة حقيقية، وإلى أكثر من ربيع، تسبقه مواسم حرث وتجريف للتربة الآسنة، وإخضاعها لعملية صرف طويلة لمياهها الراكدة الفاسدة، قبل الشروع في إعداد البذر والتسميد والسقي والرعاية.
مطالبة انكشارية الملك بتفريق الحاشية
الفارق الوحيد مع الاستحقاقات التي جرت في تونس ومصر، هو أن النظام الذي لم يسقط، لا في تونس ولا في مصر، كان قد قبل بتضحيتين غير مكلفتين: التخلي عن رأس النظام، وتطليق القوى المشكلة للحزب الحاكم بعد أن ضمن، بالتوافق، عقد شراكة مع قوى سياسية بديلة، يتضح كل يوم أنها قوى مرغوب فيها داخليا، ومقبولة دوليا إن لم تكن مطلوبة بإلحاح، فأفرغت الساحة من قوى التعطيل التي كانت ستفسد اللعبة على النظام، أكثر مما تضيق على القوى البديلة. وهذا تحديدا ما سوف تفتقر إليه قوى المعارضة في الجزائر. فرأس النظام باق، حتى وإن كان غير منشغل بما بقي من عهدته باستحقاقات لا يؤمن بها، كما أن أحزاب النظام في الائتلاف الرئاسي متوثبة على ما يبدو لحصاد الأغلبية في البرلمان القادم، ولم يظهر عليها أنها منزعجة، لا من أحزاب المعارضة التقليدية، ولا من الشخوص الجديدة الوافدة على المشهد، حتى أنها لم تبذل جهدا فارقا يذكر، تحسبا للظروف الجديدة التي سوف يفرضها قانون الانتخابات الجديد، ولا لمواجهة التسونامي الإسلامي الذي تعد به الأحزاب الإسلامية.
من خدام للسلطة إلى طلاب للسلطة
فالتغيير -إذا كان البعض ما زال يؤمن بإمكانية التغيير عبر هذه التعددية العرجاء- لا يؤمل من أحزاب الائتلاف الرئاسي التي فشلت حتى الآن في تطوير السلطة، ناهيك عن تطوير الدولة، بل كانت على رأس القوى التي عارضت بشراسة بعض مبادرات الإصلاح سبق أن دعا إليها رئيس الجمهورية. فهي مرتاحة لترتيبات دستور 89، ولنظام الحكم شبه الرئاسي، حتى حين تعامل داخله رئيس الجمهورية وكأنه نظام رئاسي صرف، وقبلت بذلك الوضع المهين لأحزاب تقاول من الباطن لبرنامج الرئيس، بدل التسويق لبرامجها والتمكين لها.
ولأجل ذلك فقدت أحزاب الائتلاف الصلة مع الدور الأصلي لأي حزب سياسي، يعيش وينشط لغاية واحدة: الوصول إلى السلطة والتمكين لبرنامجه. ولأجل ذلك أيضا فإن أحزاب الائتلاف تدخل الاستحقاق القادم وهي مثقلة بأوزار حكم، لم يكن لها فيه سهم يذكر، باستثناء ما سمح لها من طرق دروب الاعتراف والرتع في الريع السياسي والمالي، ولم تكلف نفسها مؤونة بناء مؤسسات حزبية قادرة على الإبداع والتجديد، بل علقت، مثلها مثل بقية الأحزاب، في جو الانقلابات العلمية، ومسارات التنسيقيات التصحيحية، التي حولت حياة مؤسساتها القيادية إلى ساحة للاقتتال على السلطة داخل الحزب، بدل تسليح الحزب للاقتتال من أجل السلطة، فطاولها عمل التسطيح والتجريف المتواصل كما طاول بقية أحزاب المعارضة.
إصلاح الدولة قبل ترميم مسارات السلطة
وبدورها علقت أحزاب المعارضة في دورة مفتوحة من الانتقاد الموسمي الهامشي للسلطة بحق أو بغير حق، والاستثمار في الغضب الشعبي من سوء إدارة السلطة للشأن العام، وافتراسها للمال العام، وتضييعها للفرص النادرة التي تتاح من حين إلى آخر للخروج بالبلاد من حالة التخشب والتكلس والجمود، بدل الاجتهاد في صناعة بدائل حقيقية قابلة للتطبيق، يسبقها توافق للمجموعة الوطنية حول أمرين أساسيين.
الأول: كيف نخضع الدولة لعملية إصلاح واسعة في ما هو أساسي من وظائف الدولة الملكية، واختيار صيغة نظام الحكم التي تتناسب مع واقعنا وأحوالنا كبلد نامٍ، يحتاج إلى سلطة تنفيذية قوية خاضعة للمحاسبة، ومؤسسة تشريعية تشتغل على التشريع ورقابة السلطة الإجرائية، ثم التوافق على انجاز فصل حقيقي بين السلطات، بما في ذلك الفصل بين الدولة بمختلف مؤسساتها الدائمة والسلطة الإجرائية التي تكون محل تداول آمن.
الثاني: كيف نحقق توافقا على مشروع تنموي وطني مستدام لا يتأثر بالتداول الدوري على السلطة، ويستجيب لمطلبين أساسيين: طبيعة وحجم مقدراتنا المادية والبشيرة من جهة، ومساحة التنافس الممكنة والمتاحة ضمن التقسيم العالمي للعمل والإنتاج.
الخروج من نظام المتشابه من الحكم
التوافق الأول يحتاج إلى حصول قناعة عند الجميع من أن الدستور الحالي، ونظام الحكم الذي أفرزه، كانا جزءا من المشكلة بدل أن يكونا جزءا من الحل. فمنذ البداية كان اختيار نظام الحكم شبه الرئاسي، في بلد نامٍ خرج للتو من نظام الحزب الواحد، كان فخا نصب للمسار الديمقراطي، أعدم الفرص أمام بناء ديمقراطية حقيقية، وتداول فعلي وسليم على السلطة. فقد نتج عنه، بعد إعادة تنشيط المسارات الانتخابية في زمن الرئيس زروال، نشوء سلطة تنفيذية برأسين، الغلبة فيها كانت دائما لرئيس الجمهورية الذي لا يخضع لأية رقابة برلمانية، فيما يشغل النواب بمسائلة حكومة ورئيس حكومة ووزراء ليس لهم سلطة، ولا يدينون للبرلمان كما يدينون للجهة التي تعين وتعزل، أي رئيس الجمهورية.
وفي المقابل، أبقى الدستور غرفتي البرلمان أبعد ما يكونا عن الوفاء بوظيفة التشريع أو المبادرة بالتشريع، الذي ظل حكرا على الجهاز التنفيذي، أي على الرئيس. وقد تفاقم هذا الخلل مع الرئيس بوتفليقة الذي تجاهل المؤسسة البرلمانية، واشتغل طوال عهدتين ونصف العهدة كما لو كان في نظام رئاسي صرف، دون أن يخضع لما يخضع له الرئيس من مساءلة حقيقية في نظام حكم رئاسي.
البحث عن محرك دائم لتنمية مستدامة
التوافق الثاني يحتاج بدوره إلى اقتناع الجميع أن الهامش المتاح لتحقيق تنمية مستدامة، قادرة على التنافس في هذا العالم المفتوح المعولم، يبقى هامشا ضيقا في ما تركته لنا الدول المصنعة المتطورة التي سوف تبقى لعقود من الزمن مسيطرة ومهيمنة على الصناعات عالية التقنية ومنظومة الخدمات المالية، وكتلة من الدول الناشئة قد وضعت اليد على السوق العالمية للمنتجات الصناعية واسعة الاستهلاك، وأننا لأجل ذلك لا نملك في الوقت الراهن أية فرصة للدخول في منافسة مع الكتلتين، بما يملي علينا البحث عن خيار ثالث، وعن محرك بديل ومبتكر للتنمية، كنت قد قدمت له في مقال سابق، حين تعرضت لحاجة البلاد إلى استثمار الأساسي من مقدراتنا البشرية والعلمية، ومواردنا المالية من الطفرة النفطية، لتنمية ثلاثة قطاعات استراتيجية: صناعة وأنشطة الطاقات البديلة وعلى رأسها الطاقة الشمسية، وتنمية الموارد المائية عبر توطين صناعات تحلية المياه، وأخيرا الاندفاع بقوة نحو بناء اقتصاد فلاحي صناعي متطور، يحتاج إلى ابتكار حلول مبدعة في مجال الملكية العقارية وربطها بفعل الإحياء.
وقبل هذا وذاك، نحتاج إلى توافق حول دور الدولة المطالبة أساسا بأداء وظائفها الملكية في الأمن، وإنفاذ القانون، وجباية المال، وتحقيق قدر من التكافل وحماية الضعفاء، وتوفير أفضل الظروف للقوى النشطة والمبدعة لإنتاج الثروة، والخروج نهائيا من ثقافة الدولة الراعية لشعب قاصر، الملزمة بتوفير السكن، والعمل، والتعليم، والرعاية الصحية، وباقي الخدمات.
الطلاق مع سياسة الفصول الأربعة
عندما آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، في ظروف استثنائية، عرض أحد الأنصار على الصحابي عبد الرحمن بن عوف أن يقتسم معه ماله، ويتنازل له عن إحدى زوجاته، فكان رد عبد الرحمن بن عوف: دلني على أقرب سوق، لأن الرجل بما كان يمتلك من مهارات، لم يكن بحاجة لأكثر من دخول سوق مفتوحة، سليمة من العبث والغش ليبني حياته من جديد. ونحن اليوم لسنا بحاجة سوى لدولة تنفذ القانون على الجميع، وتحمي التنافس الشريف على القوت من الغش والاستقواء بذوي الجاه، وتنفق المال العام في تنمية البيئة القانونية والإدارية والمالية التي تسمح للمواطن بكسب قوت يومه بشرف، والمشاركة مع الآخرين في صناعة الثروة. فقد سأل أحد عمال الخليفة عمر بن عبد العزيز إمداده بالمال والجند لتأمين ولايته، وقد تعرضت كما قال لتنامي الإجرام والخارجين عن القانون، فرد عليه الخليفة بجواب مقتضب: أمنها بالعدل ونظف شوارعها من الظلم.
وإلى أن تتوصل الطبقة السياسية إلى مثل هذه التوافقات، وتترجمها إلى برامج انتخابية، فسوف تظل تجارة دكاكين السياسة محض تجارة فصول أربع، تسوق بضاعة بائرة ليست هي التي يعول عليها في بناء الدول أو تحقيق التنمية.