الرأي

الثقة في الثقة.. قبل الوسائل والإمكانيات!

محمد سليم قلالة
  • 835
  • 0

على خلاف ما قد يعتقد الكثير، قُدرتنا على التكيف مع التهديدات المختلفة المحيطة بنا، وإمكانية انتصارنا عليها لاحقا، لا تَحكمها الوسائل المادية أو اللوجستية أو المالية أو حتى القدرات البشرية ذات التأهيل العالي، إنما عامل جوهري وأساسي كثيرا ما لا نُعيره الأهمية اللازمة هو الثقة المتبادلة، وعلى جميع المستويات، من ثقة المحكومين في الحاكمين أو القادة أو المسيرين، إلى ثقة التلاميذ في معلمهم ومدرستهم، إلى ثقة الأبناء في أوليائهم والمحيط الذي يعيشون فيه…

لعلّ أكثر عوامل القوة التي افتقدناها في السنوات الأخيرة، ليست ذات طبيعة اقتصادية أو اجتماعية، إنما هي ذات طبيعة معنوية لها علاقة بقيم المجتمع. لقد تم في ظرف وجيز في مجال التحول السياسي والاجتماعي، خلخلة ركيزة أساسية من الركائز التي تقوم عليها أمتنا، تتمثل في   الثقة” كقيمة مركزية في البناء السياسي والاجتماعي، لها علاقة مباشرة وتفاعلية مع القيمة المركزية للمجتمع المتمثل في “العدل”.

 بالفعل، لقد تم في نطاق خلخلة قيم المجتمع الجزائري، عبر سياسات مُتعَمَّدة ومدروسة، الوصول بالرأي العام لدينا إلى حالة من الشعور بانعدام الثقة يكاد يكون شاملا لكافة المستويات، من انعدام الثقة في المنتوج التعليمي والثقافي إلى انعدامها في المنتوج الصناعي إلى اعتبارِ مُجرد الإشارة إليها في الميدان السياسي ضربًا من الكذب والخداع. وكاد يُصبح من المُسَلَّمات لدينا، أنه إذا كانت هناك بعض المصداقية لبعض المؤسسات أو الإدارات التي مازال بنيان الدولة قائما عليها بفضل تضحيات جسام لبعض الأفراد ذوي القدرة الكبيرة على الثبات، فإنها معدومة في الحقل السياسي إذا استثنينا بعض الحالات الشخصية النادرة التي تكاد تستنفد ما بقي لديها من طاقةٍ في مجال تأكيد أنها مازلت أهلا للثقة في هذا الحقل. أي أن كل العلاقة، في هذا المستوى السياسي، إنما هي مَبنية على علاقات نفعية مباشرة أو غير مباشرة بين أطراف العملية السياسية في الاتجاهين الأفقي والعمودي. نادراً ما نجد الجوانب النفعية المادّية غير حاضرة، ونادراً ما تعلو مبادئ خدمة الصالح العام خدمة الأغراض الشخصية. حتى ذلك النزر القليل الذي كانت تحمله بعض رموز الاتجاهات الوطنية والإسلامية، تم القضاء عليه من خلال إقحام هذه الرموز في فعل سياسي كثيرا ما كان مدفوع الأجر مسبقا أو بعد حين. قليل هم من نَجوا من هذه اللعبة الإغرائية التي تعود جذورها إلى بدايات الاستقلال، إن لم نقل إلى أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، حيث تمكنت فئة قليلة من الوطنيين المخلصين من الإبقاء على ذلك الخيط الرفيع الذي مازال يربط عناصرها بالمجتمع في نطاق من الاحترام والثقة، إلى درجة أن أصبح من النادر جدا أن تجد من يحظى بثقة واحترام الجميع، والأكثر ندرة أن تجده في الحقل السياسي أو في مجال السياسات العامة التي تخدم تطلعات الغالبية من الناس…

لقد تم بطريقة مُمَنْهَجَة، استبعاد أغلب مقوّمات هذه القيمة الأصيلة في المجتمع، بل واعتبرت أحيانا غير ذات أهمية في البناء الوطني. وكبديل لدورها الرئيس، تم تفعيل دور المال والمصالح والخدمات المتبادلة والانتفاع الفوري كعوامل صانعة لتماسك المجتمع، وتم التغاضي عن ما ارتبط بها من سلوك مَرَضي من رشوة وفساد ومحسوبية، بل واعتبر أحيانا بأنه الواقعية بعينها، ولا بديل عن ذلك للتمكن من البقاء في هذا العالم المبني على سلطة العوامل المادية وعلى رأسها المال. وأحسَّ الذين أشرفوا على هذا التحريف النوعي لخصوصية المجتمع بنشوة الانتصار ماداموا قد أوصلوا الجميع إلى ذات الدرجة التي كانوا عليها قبل الوصول إلى الحكم. لقد تمكنوا من جعل شعار كل شيء يُشترى ويباع يُصبح عنوان مرحلة، ناسين أن المعنى الوحيد لذلك هو إضافة مزيد من الهشاشة على الأساس الأول لوجود الدولة.

ولعل هذا هو أخطر تهديد داخلي أضعف مناعتنا في العقدين الأخيرين، وجعلنا نطرح مسألة علاجه كأولية ذات أهمية قصوى في المستقبل، ذلك أننا لا يمكن أن نواجه أي من التهديدات الخارجية الضاغطة باستمرار إذا لم نُصحح هذا الخلل الداخلي. وهذا يستلزم اتخاذ قرارات فورية، كجزء من سياسة متوسطة وبعيدة المدى، للحد من تآكل قيمة الثقة في المجتمع. والبداية تكون بمعالجة القيم التابعة لها وهي خمس على الأقل: الشرعية، الشفافية، المصداقية، النزاهة، والعفاف. وكما يبدو فإنه من العسير اليوم إيجاد من تتوفر فيه اليوم هذه القيم التابعة لقيمة الثقة والمشكِّلة لها، حتى نزعم إمكانية ترميم الشرخ القائم والشروع في إعادة بناء ما افتقدناه لعقود من الزمن.

إن بلادنا اليوم، وهي تمر بمرحلة ضغط عال، في حاجة ماسة إلى أكثر من رمز وأكثر من إشارة تُمكِّن المجتمع بداية من الثقة في استرجاع الثقة كخطوة أولى للشروع في عمل متوسط وبعيد المدى يعيد إقامة الدولة على أسس صحيحة  تزيد من مناعتها وتمكنها من الإقلاع نحو المستقبل بثبات.

إن الأمم التي تمكنت من إعادة بناء نفسها، وانتصرت في ذلك إنما كانت بدايتها الأولى الثقة التي كانت لديها في قيادتها وفي مشروعها السياسي الاقتصادي والاجتماعي. أما التي انهارت فتلك التي لم تتمكن من ذلك أو قضت على ذلك إلى حد الموت. الأمم الأوربية التي استعادت مكانتها بعد الانهيار في الحرب العالمية الثانية إنما كان ذلك بالانطلاق من ثقتها في قادتها وقدراتها، والأمم التي لم تتمكن من ذلك في أوربا ذاتها فتلك التي لم تقم على أساس متين من الثقة. وكذا الأمر بالنسبة لنا: ألم يكن أساس قوة ثورتنا هو تلك الثقة المتبادلة التي كانت بين الشعب والنخبة التي قادته نحو استعادة الاستقلال؟ وهل يشكّ أحد في أن أفضل مراحل قوة دولتنا هي تلك التي اكتسبت فيها قيادتها ثقة الشعب ولو إلى حين؟ لا أظن بأن هناك دروسا أبلغ من هذه لنعرف أي مصير ينتظرنا في المستقبل.

مقالات ذات صلة