الثلاثة الحاسمة
مضت الخمسة الأولى من أيام العشر، وها هي الخمسة الأخيرة تتوالى سريعا، تنذر برحيل أفضل أيام الدنيا، كما رحلت أيام رمضان الفاضلة.. وربما لا يخفف وطأةَ سرعة الرحيل عن قلوبنا إلا زبدة العشر التي تتراءى لقلوبنا في الأيام الباقية، لعلنا نشمر عن سواعد الجد لنعوض ما فات.. بقيت ثلاثة أيام هي غرة العشر؛ يوم التروية الذي يوافق هذا العام أفضل أيام الأسبوع يوم الجمعة، ثم يوم عرفة ثاني أفضل أيام العام، يليه يوم النحر شامة أيام الدهر وأفضلها.
لعل من أفضل الأعمال الصّالحة التي ينبغي لكل عبد مسلم أن يراجع حاله معها في هذه الأيام الباقية من ذي الحجة بعد التوبة إلى الله: العناية بالفرائض بشروطها وأركانها وفرائضها وسننها ومستحبّاتها.. كثير من عباد الله عندما يسمع الواحد منهم عن استحباب الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجّة، يذهب باله مباشرة إلى الصيام والقيام والصّدقة. وينسى فرائض الله التي يضيّعها ويستهين بأمرها.. ينسى أنّ الله -تعالى- يقول كما في الحديث القدسي: “ما تقرّب عبدي إليّ بشيء بأحبّ إليّ مما افترضته عليه؛ ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه”؛ فقبل النوافل هناك الفرائض.. والله -تعالى- لا يتقبّل التوافل ممّن يضيّع الفرائض.. لذلك ينبغي لكل مفرّط أن يعود في ختام العشر أدراجه، ويراجع نفسه وحاله مع فرائض الله: مع برّه بوالديه، مع حرصه على لقمة الحلال، مع غضّ البصر، مع سلامة الصّدر، مع الصّلوات الخمس في أوقاتها: كم صلاة منها يصلّي في وقتها؟ وكم منها يضيّع؟ عندما كان الفجر يؤذََّن له السّاعة السادسة، كان يصلي الصبح في وقتها؛ فكيف هو الآن حينما أصبح أذان الفجر يُرفع الساعة الثَالثة والنصف فجرا؟ هل يصلّي قبل شروق الشّمس أم بعده؟
عبد مسلم يصلّي الصّبح بعد شروق الشّمس ثم يسأل عن سبب الظّلمة التي تسكن قلبه وحياته؟ عن سبب تعسّر أموره وتشتت شمله وضياع أوقاته في الغفلة والتفاهات؟ هل نسيتَ يا عبد الله قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من حافظ عليها (الصلاة) كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة؛ وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف”؟! إذا كان من صفات المنافقين أنّهم ((إذَا قَامُوا إِلَى الصّلاة قَامُوا كُسَالَى))؛ فكيف بمن لا يقوم إليها أصلا ولا يعزم على ذلك ولا يحدّث نفسه به؛ يأوي إلى فراشه فيضبط منبّه الهاتف السّاعة على السّابعة صباحا، ولا يخطر له على بال أن هناك فريضة من فرائض الله قبل هذا الوقت! كان الأولون يقولون: “إذا رأيت الرجل يتهاون في تكبيرةٍ الإحرام فاغسل يديك منه”. هذا فيمن يتهاون في تكبيرة الإحرام؛ كيف بمن لا يصلّي إلا في بيته؟ كيف بمن يؤخّر الصلاة حتى يخرج وقتها؟!
ومن الأعمال الصّالحة التي ينبغي للعبد المؤمن أن يحرص عليها في هذه العشر: الجهاد في سبيل الله.. صحيح أنّه ليس في وسعنا أن نكون هناك في أرض الإسراء لنجود بأرواحنا في سبيل الله، ولكنّنا نستطيع ونحن هنا في بلدنا أن نجاهد بأموالنا فنرسل بشيء منها إلى إخواننا عن طريق الجمعيات الخيرية.. في إمكاننا أن نجاهد بألسنتنا وأقلامنا؛ فنتكلم بدعم إخواننا والدّعاء لهم في هذه الأيام التي تجاب فيها الدّعوات؛ خاصّة في وقت السّحر، وخاصّة عند الإفطار لمن وفق للصيام، وخاصّة في آخر ساعة من الجمعة، وخاصّة خاصّة في يوم عرفة.. إذا كنّا نروي حديث النبيّ -صلى الله عليه وسلّم-: “مَا مِنْ أيام الْعَمَلُ الصَالح فِيهَا أَحَب إِلى الله مِنْ هَذِهٍ الأيام –يَعْنِي أيام الْعَشْرٍ-؛ قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: وَلا الْجِهَاد في سَبِيلٍ الله إلا رَجُل خَرَج بِنفسِهِ وَمَالِهِ فلَمْ يَرجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ” (رواه البخاري)، ونسمع هذا الحديث بآذاننا، فإنّ إخوائنا هناك يعيشونه واقعا، فيأخذون منه بأرفع وأسنى المراتب؛ يجودون بأرواحهم وكلّ ما يملكون في أفضل الأيام عند الله.
ومن أفضل الأعمال في هذه العشر: الصيام؛ خاصّة وأنّ العشر توافق موسم الحرّ، وتتفق مع أيام يطول نهارها ويقصر ليلها، وإذا كان من يصوم يوما من الأيام العادية يباعد الله النار عن وجهه مسيرة 70 سنة؛ فكيف بمن يصوم يوما شديدا حره من أيام العشر الفاضلة؟ وقد عُرف عن كثير من الصّالحين من سلف هذه الأمّة أنهم كانوا يصومون الأيام التسعة كلّها؛ وهكذا كان يفعل محمد بن سيرين ومجاهد وعطاء وغيرهم.. ومن لم يستطع ذلك، فلا أقلّ من أن يصوم يوم عرفة الذي يوافق يوم السّبت القادم بحول الله. وقد نُقل عن سعيد بن جبير أنه كان يقول: “أيقظوا خدمكم يتسحرون ليوم عرفة”.