الثوابت الوطنية… هل هي حقا ثوابت؟
هذا العنوان استوحيته من ملفّ أعدّته يومية “الوطن” ونُشر في سبتمبر الماضي يناقش مسألة الثوابت الوطنية، في ضوء مشاورات أويحيى، عُرض في شكل تساؤل: هل الثوابت الوطنية هي فعلا ثوابت؟
ولأهمية الموضوع رأيت أن أعود إلى بعض الآراء لتوضيح كثير من اللبس في مسائل جوهرية ومصيرية تحدد مستقبل المجتمع الجزائري، إذ أعتبر أن هذه المرحلة بالذات التي تمر بها البلاد، لا بد لنا فيها أن نؤسس لحوار فكري بنّاء وجدّي لتقريب وجهات النظر حول القضايا المصيرية، والتي يؤسفني أنها لاتزال مشوبة بتفسيرات لن تساعد المجتمع على النهوض لما فيها من خلل في قراءة الواقع الجزائري وتحدياته.
وبغية الاختصار أورد فكرتين رئيستين، في حوار للصحيفة ذاتها مع الأستاذة الدكتورة خولة طالب الابراهيمي، المتخصصة في علم اللسان الاجتماعي.
في البداية ربطت الدكتورة بين السلطة المسيِّرة للحكم وإشادتها الدائمة باستقرار البلاد، وبين الثوابت التي توظفها سياسياً كصمام أمان يحافظ على هذا الاستقرار، وهي ترفض هذا المصطلح “ثابت“، لأنه لا يمكننا، في زمن العولمة، أن نعيق تطور المجتمع وحركته، في حين أن العالم يعيش تحولات متسارعة.
وتقول إذا كان هناك دلالة مقبولة لمصطلح “الثوابت” بمعنى الديمومة فهو “العيش المشترك“.
أتفق مع الدكتورة حول وصفها السلطة بالجمود والسكون والانغلاق وهذا صحيح؛ لكن لا يعني ذلك أن نعلق هذه الحالة المتوقفة بمسألة الثوابت.
إن كان في الدستور الجزائري حَجرٌ على أحد مكوّنات المجتمع، لكان طبيعيا أن نستنكر ونناضل من أجل إعادة الاعتبار لمختلف عناصره ومكوّناته. والحق أن الثوابت الوطنية المتفق عليها تشمل أطياف المجتمع كلها، من انتماء أمازيغي بكل تعدداته، وعربي، وإسلامي. هذه هي العناصر التي يتكوّن منها مجتمعُنا ولا توجد عناصر أخرى.
والثابت بالمعنى المطلق غير موجود، ولا يعني ذلك أن المجتمع لن يتغير في مرحلة معينة من تاريخه، إذا استجدّ عنصرٌ طارئ.
مثلا لو بقي الفرنسيون من الجيل الثالث في الجزائر ولم يرحلوا وانخرطوا كتركيبة لها خصوصيتها اللغوية، لكان ممكنا أن يعترف بهم الدستور الجزائري، وقد ورد في بيان أول نوفمبر: “..جميع الفرنسيين الذين يرغبون في البقاء بالجزائر يكون لهم الاختيار بين جنسيتهم الأصلية ويُعتبرون بذلك أجانب تجاه القوانين السارية، أو يختارون الجنسية الجزائرية وفي هذه الحالة يعتبرون جزائريين بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات..”.
كذلك إذا افترضنا، في المستقبل البعيد، أنّ الجالية المالية النازحة ستشكل عنصرا مجتمعيا جديدا، قد تدفع المُشرِّع إلى إدراجها في الدستور.
أما الآن فمجتمعنا مستقرّ في تركيبته الثلاثية: الأمازيغية والعربية والمسلمة، والذي يكفل لهذه التركيبات “عيشا مشتركا” مبنيا على الاحترام والتكافل والتآخي، هي ذاتها هذه “الثوابت“. ولا أدري كيف لنا أن نحفظ لهذا العيش المشترك ثباته إذا لم تكن له مرجعية دستورية وقانونية.
وإنني أتساءل: ما هي ضمانات العيش المشترك، إن لم تكن في شكل منظومة قانونية تأصيلية؟
أظن أنه تكفينا الضبابية السياسية التي نعيشها وأرخت ظلالها الرديئة على كل جنبات المجتمع، ولا نحتاج إلى مزيد من التيهان الفلسفي الذي يعقد المسائل العالقة.
من هذه المسائل موضوع الهوية، صدقت الدكتورة بقولها إننا لانزال نتساءل ماذا يعني أن نكون جزائريين؟
ولا أعتقد أن هذا النوع من الخطاب المشكِّك في ثوابت المجتمع يساعد على حل معضلة، هي في أصلها مختلَقة، بل يدفع بها إلى متاهات التعقيد.
مثالٌ على ذلك ما جاء في الحوار حول اللغة الفرنسية على أنها “أمرٌ واقع، لأنها نتاج تاريخي، وعلينا الإقرار بهذه الحقيقة“.
إنّ الطرح القائم على إقحام اللغة الفرنسية –قسريا– كمكون اجتماعي ونتيجة طبيعية للتطور التاريخي يخالف ما نعيشه ونتفاعل معه يوميا.
فبغضّ النظر عن آرائنا في مسببات هذا الواقع الاجتماعي، لا يمكن لأي أكاديمي أو باحث إنكار حقيقة أنّ الغالبية الساحقة من الجزائريين لا تفهم اللغة الفرنسية، حتى عند طبقة الجامعيين. كما تعتبر هذه اللغة عائقا في قضاء الحاجة الاجتماعية عند معظم الجزائريين خصوصا الإدارية منها، والاقتصادية، وما يتصل بها في عالم الشغل.
وإذا أردنا أن نحصر هذه الظاهرة بدقة، ليكون تقويمُنا شاملا وموضوعيا، لا مبنيا عن تصورات مسبقة، ينبغي أن ندرسها ببحوث علمية.
والذي يحسم لنا مسألة الفرنسية في الجزائر، هي الفائدة التي نجنيها اجتماعيا منها، نلخصه في هذا التساؤل:
ما هي المردودية الاجتماعية للغة الفرنسية في الجزائر، في حاضرها، والفائدة منها مستقبلا؟ هل تسهّل هذه اللغة للمواطن الجزائري قضاء مصالحه؟ أم تعتبر عائقا يستدعي إعادة النظر والتقويم؟
إذا وعينا كنخب وأكاديميين هذا المستوى في الطرح، حينها ستزول تدريجيا هذه المسائل العالقة العائقة عن بناء تصور ورؤية في مستوى تحديات المستقبل وضغوط العولمة المتواصلة في كل مناحي الحياة.