الثورة… تاكل ولادها!
كلما عاد الفاتح نوفمبر، ذكرى اندلاع الثورة التحرير المباركة، تعود المذكرات والشهادات، ويعود معها للأسف التراشق بين الأولين من المجاهدين أو “شهود العيان” الأحياء، لكن الملاحظ أن هذه الخلافات والتناقضات الصحية، اختفت خلال الآونة الأخيرة، باستثناء ما حدث مؤخرا بين دحو ولد قابلية ولخضر بورقعة بشأن “المسبّلين” الذين خدموا ضد الاستعمار الفرنسي من داخل الإدارة الفرنسية!
ولأن جيل الثورة بدأ للأسف يتناقص العام بعد العام، وهذه سنة الله في خلقه، فقد تناقصت المذكّرات والشهادات المطلوبة لتأريخ أحداث الثورة ونقل أمانتها من جيل الثورة إلى جيل الاستقلال، والحال، أن ما هو متوفـّر يكاد يصبح “مستهلكا” بسبب عدم التجديد وركن أوراقه في الأرشيف، وعدم البحث أكثر في خباياه وخفاياه وأسراره بما يضيء الماضي خدمة للحاضر والمستقبل!
حتى وإن كان “شرّ لا بدّ منه”، فإن ما قرأه جيل الاستقلال خلال السنوات القليلة الأخيرة، على ألسنة وبأقلام مجاهدين وثوريين، يخدش في جزء من صانعي الثورة أو المشاركين فيها، ويطعن في مصداقية البعض منهم، ويضرّ بقدسية ثورة كان من الواجب حسب شرائح واسعة من الأوّلين واللاحقين، حمايتها من التشكيك والعبث!
لقد تكلمت مرارا وتكرارا عيارات ثقيلة، من وزن الزبيري وبن عودة وبلعيد عبد السلام وقوجيل ويوسف الخطيب وخالد نزار، وغيرهم، وكانت في غالب الأحيان، محرّكا لخلافات قديمة استيقظت مجددا، وأثارت الكثير من اللغط والاستفزاز والردود وحتى الخصومات!
المصيبة أن بعض الأطراف، لم تعد تهتمّ بالوجه الجميل لثورة صنعت الاستثناء وخطفت الأنظار وهزمت الاستعمار، بل أصبح اهتمامها مركزا ومنصبّا على ما يهزّ مشاعر الأجيال التي لم تعش الثورة، ولا قبلها ولا بعدها مباشرة، وهو ما ساهم مع تكاثر الشهادات وتفريخ الردود والتناقضات، في نفور هؤلاء وحتى أولئك من النبش في التاريخ واستنطاق المؤرّخين!
القيادة الفرنسية عندما صرحت في وقت سابق، وربطت تحسّن العلاقات بين البلدين بـ”انقراض” جيل الثورة، كانت مصرّة على أن “الأبناء لا يعتذرون عن أخطاء الآباء”(…)، لكن جيل الاستقلال يرفض إهانة جيل الثورة، ومازال ينتظر الاعتذار عن جرائم المستعمر، التي واجهها بالحديد والنار بن مهيدي وعلي لابوانت وبن بولعيد وعميروش وقبلهم بوعمامة ولالا نسومر، وغيرهم من الرجال والنساء الذين قضوا نحبهم ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
حتى وإن وقعت أخطاء و”خطايا” خلال مسار الثورة، لا ينبغي بأيّ شكل من الأشكال، التشهير بها، وتصفية حسابات بها، فالثورة كما هو معلوم “تاكل أولادها”، ولا داعي للنفخ في الرماد والبحث عن “القمل في راس الفرطاس”، وإنّما الواجب تخليد هذه الثورة واحترام رموزها إلى الأبد.