-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجامعات الأمريكية تحت الحصار!

الجامعات الأمريكية تحت الحصار!

“لا جدوى من تلطيف الواقع أو تجميله. فبالنسبة للتعليم العالي الأمريكي، كان عام 2025 عامًا كارثيًا”. هكذا افتتحت يوم 15 يناير 2026 منظمة “نادي القلم الأمريكي” (PEN America) تقريرها، وهي هيئة تُعنى بالدفاع عن حقوق المثقفين والكتاب ومؤسسات التعليم العالي، ومكافحة المضايقات التي تتعرض لها. وتؤكد هذه المنظمة أن الساسة الأمريكيين على مستوى العاصمة الفيدرالية وكذا السلطات المحلية عبر البلاد يشنّون حملة حقيقية ضد الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، مستهدفين على وجه الخصوص حرية التعبير باستخدام مختلف الوسائل، منها شبكات التواصل الاجتماعي.

الدوْس على الحرية الأكاديمية ليس جديدا

الواقع أن أن التقليد الأمريكي في موضوع الحرية الأكاديمية ليس جميلا كما يصوّره لنا الإعلام الغربي. يكفي أن نتذكر ما حدث أثناء الحرب العالمية الأولى إذ كان الأساتذة يُتهمون بعدم التحلي بالروح الوطنية وبالافتتان بالماركسية والفوضوية. وفي خمسينيات القرن الماضي، خلال فترة المكارثية، تعرض الأساتذة للاضطهاد بسبب ميولاتهم الأيدلوجية، مما أدى إلى تدمير مساراتهم المهنية وفرض رقابة ذاتية عليهم. كما أن الحكومة الفيدرالية كانت قد اتخذت قبل عام 2025 بفترة طويلة، إجراءات أثارت المخاوف بشأن الحرية الأكاديمية وحرية التعبير في الحرم الجامعي. غير أن الهجوم الذي شنته الإدارة الثانية للرئيس ترمب على التعليم العالي، من حيث اتساعه وخطورته، يُعدّ وضعًا غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث.
يرى التقرير المشار إليه آنفا أن الحصيلة ثقيلة: خوفٌ عام يسود الأساتذة والطلبة والإدارات، والرقابة الذاتية أصبحت منتشرة داخل الأوساط الجامعية في التدريس والبحث العلمي. وكل أسبوع يمضي يأتي بحزمة جديدة من القوانين والتوجيهات التي تزيد من تقويض الحرية الأكاديمية وجودة التعليم. ويتعرض كثير من الأساتذة لحملات تحرّش إلكتروني وكشفٍ لمعلوماتهم الشخصية. كما تم احتجاز طلبة دوليين بسبب تصريحات وُصفت بالمسيئة، وتعرّضوا للتهديد بالطرد. ويهاجم برلمانيون غاضبون أي مصلحة أو برنامج جامعي لا يروق لهم. أما القيادات الجامعية، المُثقلة بهذه الهجمات، فقد أقدمت على فصل أو تعليق أو معاقبة عشرات الأساتذة والموظفين. كما اضطر بعض رؤساء الجامعات إلى الاستقالة. ويرى كثير من المسؤولين الجامعيين أنهم لا يملكون خيارًا سوى الامتثال للمطالب ومحاولة عقد تسويات مع الحكومة الفيدرالية.
فهناك مثلا قوانين تحظر التحدث بصراحة عن قضايا العِرق، والنوع الاجتماعي، والتاريخ الأمريكي، وهذا إلى جانب أشكال الرقابة غير المباشرة. ويتجلى ذلك في محاولات تقويض النشاط الطلابي، وكذلك في سعي المشرّعين، بذريعة تعزيز تنوع وجهات النظر، إلى فرض قواعد جديدة على قيادات التعليم العالي وأساتذته.
لا تكفي الأرقام والتصنيفات وحدها لاستيعاب حجم هذه الظاهرة. فقد أفضت المجموعة الواسعة من القوانين والسياسات، عبر التحقيقات والتهديدات الصادرة عن السلطات الرسمية، إلى إقامة منظومة رقابية محكمة داخل الحرم الجامعي. وإذا ما نظرنا إلى هذه العناصر مجتمعة، ندرك أنها تشكل استراتيجية رقابة آخذة في الاتساع وصلت إلى حدّ اختيار القيادات الإدارية والتجخل في ترقية الأساتذة، مرورًا بالمصادقة على المقررات وطراقق التقييم المختلفة. وفي الوقت نفسه، استخدمت الحكومة نفوذها في تمويل البحث العلمي.
وأمام المحاكم، تكبدت الحكومة الفيدرالية سلسلة من النكسات المحرجة. ففي شهر سبتمبر مثلا ، أصدر القضاء أمرًا للحكومة بإعادة التمويل الفيدرالي للأبحاث في جامعة هارفارد. ثم، في نفس الشهر، حكم أحد القضاة بأن محاولة وزارة الأمن الداخلي طرد طلاب وأساتذة دوليين بسبب دعمهم للقضية الفلسطينية تنتهك الدستور.

محاولات يائسة ومستقبل قاتم

لجأ البيت الأبيض، بهدف تمرير قيوده ضد الجامعات، إلى الاغراءات حيث اتصل بتسع جامعات مرموقة طالبا منها دعم برنامج التعليم العالي لإدارة ترمب مقابل تسهيلات في تمويل البحث العلمي فيها. لكن المحاولة باءت بالفشل. فعاود البيت الأبيض المحاول بمراسلة كافة الجامعات بنفس الاقتراح. ولم يلق الاقتراح لحد الساعة الترحيب المتنتظر.
على سبيل المثال، أصدر وزير الحرب أمرًا للأكاديميات العسكرية الفيدرالية والمدارس الواقعة في القواعد العسكرية بسحب مئات الكتب التي تتناول قضايا التنوع العرقي من مكتباتها؛ ثم أصدر قاضٍ فدرالي أمرًا بإعادتها إلى الرفوف. وفي الوقت نفسه، قامت الأكاديميات العسكرية بإلغاء تخصصات ووحدات دراسية من برامجها تتناول هذه المواضيع.
هناك أكثر من 8 ملايين طالب (من بين الـ16,2 مليون طالب في الولايات المتحدة) يدرسون اليوم في مؤسسات تابعة للتعليم العالي تقع في ولايات تُقيّد بعض المواضيع التي يتم تدريسها فيها. في عام 2025، قامت ما لا يقل عن 15 هيئة تشريعية بفرض تدابير رقابة غير مباشرة أو قيود على النشر.
ماذا يتوقع تقرير “نادي القلم” خلال سنة 2026؟ يتوقع تصاعد الضغوط الحكومية. فالتخويف، والمناورات الترهيبية، والمطالب بفرض عقوبات على الأساتذة بسبب تصريحاتهم، واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي لإثارة الجدل، كلها قد تتزايد. كما يتوقع استمرار استغلال إدارة ترامب للأموال الفيدرالية المخصصة للبحث العلمي لأغراض سياسية. فعلى الرغم من بعض الانتصارات القضائية، ستنتهي جامعة هارفارد وغيرها إلى إبرام اتفاقيات مقيّدة لصلاحياتها. فمن منظور مالي بحت، لن تتمكن أي مؤسسة من الصمود إلى الأبد. ومع ذلك، يأمل الكثير في أن تشكل الجامعات جبهة موحدة لمواجهة الهجوم الحكومي.
ويختم التقرير بالقول: “تشكّل السيطرة المتزايدة للسلطات السياسية والأيديولوجية على قطاع التعليم العالي تهديدًا واضحًا وحقيقيا للحريات الأكاديمية… ومن أجل تفادي أن يتحوّل الأكاديميون والمؤسسات في البلاد إلى مجرد ناطقين باسم الحكومة فإن المواجهة الموحدةً -للأفعال غير المسؤولة التي تمارسها السلطات السياسيين- باتت ضرورة ملحّة”.

في مرمى الانتقام

يعقّب أحد المسؤولين في جامعة لندنية شهيرة على هذا الوضع بالقول:”إننا نعيش فترة تهديدات وجودية تؤثر على العلم نفسه وعلى التعليم العالي، اللذين ساهمَا في جعل الولايات المتحدة أعظم دولة في العالم لأكثر من قرن. وإذا أصبحت العلوم والتعليم تُعاملان الآن كما في ديكتاتورية بدائية، فلا يمكن للبلاد إلا أن تتحوّل إلى ديكتاتورية بدائية – اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا “.
وللمقارنة، يضرب هذا الأستاذ مثلا مشيرا إلى زوجة الرئيس الروماني الراحل تشاوشيسكو التي كانت شبه أميّة، لكنها كانت تحلم بأن يُعترف بها كمهندسة كيميائية عبقرية، وشخصية بارزة في السياسة العلمية. فكانت السلطات تشتري لها جوائز وطنية ودولية. وما أثار غضبها هو عندما أخبرها باحثون من معهد علم النفس في بوخارست ذات يوم أنها ليست عالمة وأن عليها التوقف عن التظاهر بذلك. وفي اليوم التالي، أُغلق ذلك المعهد، وحُظرت دراسة علم النفس في الجامعات الرومانية لما يقرب من عشرين عامًا… حتى سقوط حكم تشاوشيسكو”!
ثم يتساءل هذا الأستاذ: “كان ذلك انتقامًا بدائيًا. لكن، هل يختلف هذا كثيرًا عما يحدث اليوم في الولايات المتحدة؟ ملمحا إلى جائزة نوبل للسلام التي لم تمنح لترامب رغم الضغوطات، ومع ذلك قامت زعيمة المعارضة الفنزويلية، ماريا ماتشادو، التي نالت هذه الجائزة إلى تقديمها لترمب قبل أيام. لكن لجنة جائزة نوبل للسلام سارعت بإصدار بيان لتوضيح أن هذه الخطوة لا تُعد بمثابة منح الجائزة لترامب وأن “جائزة نوبل لا يمكن مشاركتها أو نقلها”!
إن ما تشهده الجامعات الأمريكية اليوم لا يمكن اختزاله في سلسلة من الأحداث المعزولة، بل هو تعبير عن تحوّل أعمق في العلاقة بين السلطة والجامعة. يرى المتتبعون أن التاريخ الأمريكي يثبت أن الهجمات التي تتعرض لها الجامعات كانت دومًا مؤشرًا على لحظات خوف وارتباك سياسي، لكن ما يميّز الوضع الراهن هو السعي الصريح إلى إعادة هندسة الجامعة لتكون فضاءً مُنْقادًا لا نقديًا. ذلك ما يتجلّى أكثر فأكثر منذ طوفان الأقصى.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!