الجبهة النفسية بخير
الهدوء الذي تابع به المواطن الجزائري التغييرات الأخيرة التي تمّت على أعلى هرم في السلطة يدفع بحق إلى مزيد من الاطمئنان على أن النضج السياسي لدى فئات واسعة من الشعب قد بلغ درجة تبعث على الثقة في مستقبل البلاد؛ إذ برغم المشكلات المزمنة التي يصارعها هذا المواطن يوميا، بصبر لا مثيل له، إِنْ في انتظار فُرصة عمل أو مسكن يؤويه أو موعد في المستشفى أو حتى مكان في الحافلة التي سيركبها أو ما شابه ذلك من المعاملات اليومية… لم ينظر إلى ما يحدث في الأعلى بمنظار الحيرة أو الخوف. عكس ذلك بدا واثقا كل الوثوق من أن الأمر لا يزال بين يديه وأنه ستأتي اللحظة التي يستعيد فيها زمام المبادرة ويتمكن من التكفل بحل مشكلاته بنفسه عن طريق أفضل ما اختزنه كعادته دائما بين أحضانه من كفاءات وأبناء مخلصين في كافة المستويات.
لقد شعرتُ بشيء من الارتياح، وربما حدث الأمر نفسه لدى الكثير من الناس، عندما لم تعد الخلافات على المستويات العليا تترك آثارها الفورية على المجتمع في شكل تململ أو سخط أو ميل إلى هذا على حساب ذاك. عكس ذلك بدا واضحاً للجميع أن هناك شبه اتفاق غير مرئي بين الجزائريين مفاده أنه لا مجال لإدخال البلاد في مزيد من الصراعات أو النزاعات التي يدفعون في آخر المطاف ثمنها، من خلال أبنائهم أو ممتلكاتهم.
ولعل هذا يُعدّ مكسباً استراتيجياً لا نجده في سوى البلدان التي اكتسبت شعوبُها وعيا جماعيا بعد أزمات شديدة عرفتها وتحصّنت لديها جبهتها النفسية، ولعلنا اليوم أصبحنا من بينها بعد تلك العشرية السوداء التي عرفناها، وبعد أن تأكدنا من أننا سنكون الخاسر الأكبر كفئات شعبية في حالة أي اضطراب حقيقي أو مفتعل.
هذا الحالة من الهدوء ـ الذي يُعدّ استراتيجيا ـ هي أفضل جواب على المشكّكين في مستقبل الوضع ببلادنا، وعلى الذين يعتقدون أنهم قادرون على جرنا مرة أخرى إلى المجهول. كما أنها أفضل دليل أن الحالة النفسية للمواطن الجزائري، رغم ما يَعرف من صعوبات جَمّة، لم تعد هشة كما كانت قُبيل دخولنا في أزمة التسعينيات.. ربما يكون هذا نتيجة عمل كبير ودؤوب تم على أكثر من جهة لتحصين الجبهة النفسية الداخلية كان ومازال لإعلامنا الوطني دورٌ معتبر فيه، ولكنه في كل الحالات مِنّة من الله تعالى مَنَّ بها علينا “هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم” فالحمد لله على كل حال.