-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجدل حول المنظومة التربوية بين الواقع ومحاولات التموقع (الجزء الثاني والأخير)

الشروق أونلاين
  • 1112
  • 1
الجدل حول المنظومة التربوية بين الواقع ومحاولات التموقع (الجزء الثاني والأخير)
ح. م

هذه القراءات المختلفة لواقع المنظومة التربوية أدت إلى ظهور تيارين أساسيين: التيار العربي الإسلامي، والتيار الفرانكفوني التغريبي، وبين الغريمين بونٌ شاسع وتاريخ عريض من الصراع الذي بدأ منذ مدة ولا أمل في نهايته على المدى المنظور.

لا أنكر أن للأحزاب السياسية في الجزائر تصورا ما لمستقبل المنظومة التربوية، ولكن سرعان ما يتحوّل هذا التصوّر من هذا المستوى التصوّري إلى المستوى الجدلي الذي يحاول أصحابه التموقع بطريقة أو بأخرى تحت عباءة تربوية تخفي غايات سياسية ضيقة، لقد كتب رئيس حركة مجتمع السلم الدكتور عبد الرزاق مقري كلاما نشره على صفحته على الفايسبوك يؤكد فيه بأن المنظومة التربوية في الجزائر مستهدَفة من التيارات  التغريبية، وأن المؤامرة عليها مستمرة، ومما قاله في هذا الخصوص: “إن التيارات المعادية لأي دور حضاري وثقافي للإسلام وللغة العربية في الجزائر أصنافٌ عدة منهم وطنيون صادقون، ولكن مشكلتهم أنهم تلقوا تكوينا تغريبيا مفرنسا له حساسية مفرطة للثقافة العربية الإسلامية ويعيشون في بيئة منغلقة غير قابلة للحوار والتعايش والانفتاح، وهناك صنف آخر ارتبطت مصالحهم، صغيرة كانت أم كبيرة، بالتيار التغريبي فتركّب لديهم هوس الخوف والفوبيا من كل ما يشير للثقافة العربية الإسلامية إذ يرونها خطرا عليهم وعلى مصالحهم، غير أن ثمة صنفا آخر عميلا للثقافة والمصالح والمخططات الأجنبية وهؤلاء هم الأخطر والأكثر نفوذا داخل مؤسسات الدولة، وهم الذين يستهدفون المنظومة التربوية لا لأغراض علمية وتربوية وبيداغوجية كما سنرى، ولكن من أجل تغيير الإنسان الجزائري لأغراض استعمارية عنصرية استكبارية”.

 هذا الكلام ينمّ عن غيرة إسلامية وطنية من خلال التأكيد على أن المنظومة التربوية هي عنوان الهوية، وأن أي مساس بها يُعدّ بالضرورة مساساً بالهوية الإسلامية الجزائرية، هذا الكلام في غاية العقلانية والواقعية لأنه نابعٌ من مرجعيتنا، ولكنه يحمل بعض التهويل وحتى بعض التهديد، في الوقت الذي تحتاج فيه المنظومة التربوية في هذه المرحلة الحرجة إلى حوار هادئ غير متشنِّج.

 إن ثمة صنفا آخر عميلا للثقافة والمصالح والمخططات الأجنبية، وهؤلاء هم الأخطر والأكثر نفوذا داخل مؤسسات الدولة، وهم الذين يستهدفون المنظومة التربوية، لا لأغراض علمية وتربوية وبيداغوجية، ولكن من أجل تغيير الإنسان الجزائري لأغراض استعمارية عنصرية استكبارية.

لا أوافق الدكتور عبد الرزاق مقري في الاتهامات والتصنيفات، اتهام جهات لم يسمّها بالمؤامرة ضد المنظومة التربوية، وكذا تصنيف من قصدهم بكلامه من صناع القرار أو الرأي إلى صنفين: وطنيين صادقين ووطنيين غير صادقين وإن لم يسمِّهم؛ لأن ذلك يفهم من السياق وبتطبيق مفهوم المخالفة كما يقول البلاغيون، إن الوطنية لا تقبل التجزئة تماما مثل الحرية، فلا يكون الواحد وطنيا حقيقيا إلا إذا سلم بكل شروط الوطنية وعمل بمقتضاها، ما ذنب المتكونين تكوينا مفرنسا، كما سماهم عبد الرزاق مقري، للزجّ بهم، ولو في مستوى محدود، في حمأة الصراع حول مرجعية المنظومة التربوية؟ إن فرنسية اللسان لا تعني الولاء للفرنسية ولا لفرنسا، وإلا فإننا سنحكم بالعمالة لفرنسا على كل من تعلّم الفرنسية أو علّمها، في الجزائر نماذج من هؤلاء حذقوا اللسان الفرنسي وتمرّسوا به ولكنهم سخروه لخدمة الإسلام والجزائر، ويمكن أن نذكر منهم المفكر الجزائري مالك بن نبي وأحمد عروة وكثيرين لا يتسع المقام لذكرهم.

 أما حديث مقري عن قادة المؤامرة على المنظومة التربوية، فإننا نوافقه في الإقرار بوجود المؤامرة، ولكننا نخالفه في إشارته إلى جهات عميلة من دون أن يحدّدها ليعرفها الجزائريون ويكونون على بصيرة من الأعمال الخسيسة التي يقومون بها لضرب المنظومة التربوية، ثم الانتقال بعدها إلى مرحلة أخطر وهي ضرب استقرار الدولة والمجتمع الجزائري. إن الرشد السياسي يقتضي التخلي عن لغة العدوّ الوهمي والافتراضي، والتحلي باللغة الواقعية التي تـتعامل مع الخصوم والفهوم بمنهج واقعي لا يحلق في الأجواء البعيدة ولكن ينزل إلى الواقع ليعرف الحقيقة عن كثب ويعاين الواقع عن قرب. 

أخيراً، اعتقد أن المخرج من الأزمة الحالية التي تعيشها المنظومة التربوية يتحدد في عدّة إجراءات عملية عاجلة:

1- المبادرة بعقد ندوة وطنية حول المنظومة التربوية تضم كل الفاعلين والعاملين والعارفين بالشأن التربوي، على أن توفر القيادة السياسية كل ما يمكن من تكريس قرارات هذه اللجنة والالتزام بتطبيقها على أرض الواقع.

2- إبعاد المنظومة التربوية عن كل توظيف سياسي أو سياساوي، إلا ما كان متوافقا مع السياسة الوطنية الجامعة.

3- التوافق على المرجعيات الأساسية للمنظومة التربوية، وهي المرجعية الإسلامية والمرجعية اللغوية والمرجعية الوطنية.

4- إنشاء اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية التي يجب أن تضم نخبة من الخبراء والضالعين من الشأن التربوي.

5- إعادة العمل بنظام المعاهد التكنولوجية من أجل ضمان التكوين الفعال والمستمرّ للمدرِّسين في مختلف التخصصات والمستويات.

6- المبادرة إلى إنشاء الهيئة الوطنية للكتاب المدرسي تكون عالية المستوى وبديلة للجان الحالية التي يمكن الاحتفاظ ببعض أعضائها من ذوي الكفاءة العالية لضمان المساعدة اللازمة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • عمار الجزائري

    نصف قرن مضى ومازلنا نخبط خبط عشواء وكان الخبراء الجزائريون عقمت ادمغتهم الندية عن ابداع منظومة تربوية تتماشى وتطلعات المجتمع الف مسؤولونا استيراد كل شيئ باغلى الاثمان واستهجان كل ماهو محلي الابداع والصنع فهان عليهم استغلال المادة الاوليةمن الكفاءات الوطنية فضاعت الاجيال في ثقافة الامسؤولية والاستهجان ونسوا انهم سيدفعون الثمن غالياوينقلب السحر على الساحر .