-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائر، مصر واقتصاد المستقبل

سهيل الخالدي
  • 5964
  • 15
الجزائر، مصر واقتصاد المستقبل

كيف يمكن في هذه المرحلة بالذات، بناء علاقات جزائرية جديدة مع مصر؟ سؤال لاشك عندي أن “الاستراتيجيين” الجزائريين يدرسونه الآن بعمق وعقلانية، ذلك أن المصلحة البراجماتية للدولتين تطرح هذا السؤال بقوة وتطلب إجابة واضحة عنه.

وذلك لأن:

1- الجزائر ومصر دولتان إفريقيتان كبيرتان مؤثرتان سياسيا وثقافيا واقتصاديا في القارة، وينسحب هذا التأثير والتأثر على منطقة البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

2- صمد الشعبان في وجه المحاولات المتكررة في التاريخ، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين لكسر العلاقة القومية والروحية، وكان آخرها عام 2009 في موضوع كرة القدم، الذي استغلته قوى التطبيع في مصر وقوى الفرانكوفون في الجزائر، لتحدث شرخا عميقا بين شباب الشعبين، وكنت من الموقعين مع عدد من المثقفين الجزائريين علي بيان يؤكد العلاقة العريقة بين الشعبين، ويدين سلوك وخطط التطبيعيين والفرانكوفونيين، ويطلب من الدولتين العقلانية والرزانة، وقد تبنى هذا البيان الكثير الكثير من المثقفين المصريين واعتبروه صوت العقل وأعادوا نشره مرارا وتكرارا.

3- تمر الدولتان بمشكلات هامة، منها ما هو على الحدود، ومنها ما هو في الداخل، ومنها ما هو ثقافي ومنها ما هو سياسي.. ونظرا لتواجد الدولتين في ذات القارة وذات الإقليم، فإن التعاون في حل هذه المشكلات يصبح ضرورة لا مفر منها، خاصة وأن بعض تلك المشكلات من النوع “العابر للأوطان”.

4– تتعرض الدولتان لضغوط كثيرة من القوى الدولية وأدواتها المحلية “لفرملة” أي توجه جدي لإحداث تنمية استراتيجية محلية أو أي تعاون جاد بينها.

وهنا أصل إلى المثال الذي يوضح كل ذلك، ففي شهر أكتوبر الفارط انطلقت في الشارع الجزائري الإشاعتان التاليتان.

أ- إن الجزائر تصدّر غازا لمصر بينما العديد من القرى من الأرياف الجزائرية ماتزال بحاجة إلى هذه المداة للتدفئة والطبخ أي أن الدولة الجزائرية “تفرط”.

ب- أن مصر تريد قرضا “عالي الرقم من الجزائر التي أقرضت البنك الدولي، وبالتالي فإن الدولة الجزائرية تمارس “تبذيرا”.

تلخص هاتان الشائعتان مدى “الحقد” الذي تكنه قوى الفرانكوفون للجزائر مستقبلها بما فيه اقصتادها، فالكل يعلم أن الجزائر تواجه ضغوطا “شديدة” من منظمة التجارة العالمية لرفع سعر الغاز المنزلي على المواطن الجزائري، ليصبح نفس سعره في أوروبا، هذا ما ترفضه الجزائر جملة وتفصيلا، لإيمانها بأن الغاز وبأسعاره البسيطة هو حق من حقوق المواطن.. لكن هذه القوى استغتلت الفرصة لتحريك الشارع ضد تصدير الغاز، تمهيدا لأن يدفع المواطن الثمن وتحميل المشكل على ظهر المصريين.

كما يعلم الجميع أن الغاز الجزائري المعد للتصدير لا علاقة له بالغاز المعد للاستهلاك المنزلي، لا في النوعية ولا في الكمية ولا في الأسعار.. ولكن مروجي هذه الإشاعات يعتمدون كثيرا على ضعف الثقافة الاقتصادية للجزائريين حتى بعض الإعلاميين.

ورغم أن الاقتراض بين الدول ليس عيبا، خاصة إذا كان في حدوده المعقولة والمنضبطة، وهو في الغالب يتم على شكل مشروعات مشتركة تعود بالفائدة على المقرض والمقترض، وقلما يتم الدفع نقدا، كما هو الحال مع البنك الدولي، وقد عانت الجزائر من ديونها التي تراكمت مع الدول الأوروبية، وحين صمم الرئيس بوتفليقة على تسديد هذه الديون، قدّم له “مستشارون محليون” بأن لا يفعل ذلك، وحين أصر طلب الألمان – حسب معلوماتي المتواضعة – أن تسدد الجزائر مبلغ الفائدة لمجمل مدة القرض “20 سنة” ورفضت الجزائر هذا “الابتزاز”، وجرت مفاوضات طويلة حتى تراجعت ألمانيا عن موقفها ولو بشكل حزئي، وهو تراجع كان بسبب قاعدة اقتصادية تقول “إن موقف المدين هو أقوى من موقف الدائن”.

ولأني أعلم أن العلاقة بين الاقتصاديين الجزائري والمصري يمكن بناؤها على استراتيجية منفعة يومية متبادلة ومتطورة، بعيدا عن علاقات الدائن والمدين.. فهناك مئات المشروعات وفي مختلف المجالات، قررت أن أتخلى عن موعد مع طبيب القلب كان قد سببت له حرجا مع صديقه، تخليت لأن موعد الطبيب تزامن مع دعوة تلقيتها لحظور لقاء رئيس الوزراء المصري، هشام قنديل، مع رجال الأعمال الجزائريين في فندق الأوراسي يوم 23 أكتوبر، وبالفعل حضرت اللقاء واستمعت إلى الخطب.

لم يتحدث الضيف المصري لا عن القرض ولا عن الغاز، وركز خطابه على مشروعات المستقبل واستراتيجياته، ولعل الخلل – كما فهمت – يكمن في واضعي الخطط أنفسهم، فقد ظهر علنا الفرق في النظرة الاستراتيجية لاقتصاد البلدين، فقد أخبرنا وزير الصناعة الجزائري، أنه كوّن لجانا متخصصة وسرد أسماء محددة، معظمهم ـ إن لم يكن كلهم ـ من أعضاء “منتدى رؤساء المؤسسات”، وأعطاهم مهمة تفعيل العلاقة بين البلدين، ولما تناول الكلمة وزير التجارة الجزائري. قالها بالفم الملآن: إن منتدى رؤساء المؤسسات هيئة غير فاعلة منذ سنوات تأسيسها.

ومعروف أن معظم مشروعات الدولة تحال على هؤلاء الاقتصاديين الذين يقول عنهم وزير التجارة إن مؤسستهم غير فاعلة.

وأما في الطرف المصري، فلم يكن الحال أفضل، فإذا كانت النظرة الاستراتيجية التي أبداها الطرف الجزائري نظرة قديمة لا تنتمي إلى هذه العشرية من القرن، وضغوطها الاقتصادية حتى على الدول الكبرى، فإن الطرف المصري من الاقتصاديين الذين لهم استثمارات في بلدنا، قفز على كل المراحل.. ووصل إلى منتصف أو أواخر القرن الواحد والعشرين، حيث راح يطالب بإعادة النظر في معادلة 49، 51 المعمول بها حاليا في الجزائر، وغيرها من الدول في مضمار الشراكة.

صحيح أن هذه المعادلة مطروحة للنظر في اقتصاديات الدول الكبرى، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية.. لكن الموضوع غير مطروح في الدول التي تجابه صعوبات في اقتصادها الوطني وحمايته، كما هو حال مصر والجزائر.

وبالتأكيد، فإن هذه الدول تحتاج لتطوير اقتصادها الوطني وحمايته، لمشروعات تقننها اتفاقيات في غاية الوضوح والدقة، تحمي مصالح كل طرف.. وهي مصالح لا تنفع فيها أساليب اللف والدوران ولا القفز عن المراحل وحرقها، ولا العقلية القديمة، ولا حتى تحليلات الاقتصاديين من وراء البحار التي تنطوي على “ألغام موقوتة”.

إذن ففي هذه المرحلة، فإن الاستراتيجيين الجزائريين ومن سيتشرفون المستقبل، خاصة وأن لدينا الآن وزارة للاستشراف، عليهم أن يستشرفوا اقتصاد الجزائر من خلال دراسة معمقة لتاريخها الاقتصادي، وهذا التاريخ بالتأكيد ليس هو اقتصاد الفترة الاستعمارية، وهذا ينطبق على مصر.

ولماذا الاستشراف؟

لسبب بسيط وواضح، فالاقتصاد المعاصر يقوم على المعرفة.. أما “التجار” الذين رأيناهم في لقاء الوزير الأول المصري، ومن الطرفين، فهم – كما استمعت إليهم – دقة قديمة لا اقتصاد ولا معرفة. وهذا لا يبني علاقات اقتصادية “جدية” لا بين الجزائر ومصر ولا بين أي منهما وأي بلد في العالم.. أعتقد أن على الجميع الاستفادة من رئيس البرازيل! هذا إذا كنا لا نلعب في الاقتصاد باعتباره فعالية إعلامية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
15
  • احمد

    تكمله// و يفوت استاذنا الفاضل ان كلا الاقتصادين الجزائري و المصري يعتمدان على الصناعات الاوليه كالانسجه و السيراميك و الزجاج... الخ و التجميعيه و التي تتلخص ببناء مصانع تجميع مثل تجميع ثلاجات تلفزيونات سيارات .. الخ اي يتم استقدام غالب اجزائها من الخارج بعباره اخرى كلا البلدين بحاجه الى اطراف ثالثه متقدمه عليهما تقنيا لتقدم ما يمكنهما تجمعه او اعاده تعبئته لذلك يبقى التعاون بين الاقتصادين بدرجاته الدنيا

  • احمد

    كلام استاذنا الخالدي جميل و رائع لكن من الجانب النظري فقط لان الواقع مرير ولا يمكن معه بناء لبنه واحده من الذي يامل و نأمل به .. السبب ان الاقتصاد المصري مريض كالاقتصاد الجزائري فما زال يسيطر عليه فلول مبارك المتصهينين وما زالت مافيات الاثراء السريع تتلاعب به يمنه و يسره امثال سايورس .. و في الجزائر كلنا نعرف البير و غطاه .. اذن لايمكن قيام تكامل في اي مجال من المجالات مع اقتصادين مريضين بحاجه لتنظيففهما من الاوساخ و الادران التي علقت بهما ..

  • الشيطى

    هاهى المقالات المفيدة والعملية والتى تحترم عقول الشعوب والقراء ويجب ان تكون غالبية المقالات من هذة النوعية حتى نتقدم ونعى مشاكلنا الاقتصادية وبحلم بيوم نستغنى فية عن الشركات الاجنبية واموالها النجسة واحتكاراتها لمواردنا فى الوطن العربى كافة ولايصبح لدينا عاطل او مهاجر بسبب لقمة العيش الا لنصرة دينة او نهضة وطنة واكتساب خبرات تفيدنا وتفيد اولادنا وتتربى اولادنا فى اوطانها بعزة وكرامة... وهذا لن يكون الا اذا توافرت الارادة السياسية وعملت لخدمة شعوبها وتحقيق طلباتها/عيش.حرية.كرامة انسانية

  • اخوكم عرابى

    الاستاذ الخالدى لقبك وحدة يحمل معانى كثيرة فهو موجود فى مصر وفى فلسطين ومؤكد فى اقطار اخرى عدا الاقطار الثلاثة سىدى الفاضل فى ربوع وطننا العربى الكبير كل مقومات القوة والعزة فنرجوا من القامات الكبيرة مثلكم ان تعمل ليل نهار لتوعية النخب بضرورة التكامل والتفاعل الايجابى بين اقطارنا حتى نصل الى الهدف الطبيعى وهو الوحدة ولا نجعل اى فلول تنتصر علينا سواء فلول مبارك فى مصر او فلول الاستعمار فى الجزائر حياكم اللة وحيا شعبنا فى الجزائر احترامى

  • مروان

    و الله يا شيخ الخالدي أنني أشفق عليك و على أمثالك من جيلك, عشتوا و كبرتوا في عالم مبني على أحلام و على أفلام رومنسية تقول للحقيقة أجري و أنا نجري وراك. الحمد لله أن الله كتب عليا أن أحيى و أن أعيش بعيدا عن جيلكم, لست حامل لدكتراة و لا حتى مستوى جامعي و لكنني أستطيع أن أميز حبة البيض الفاسدة حتى قبل كسرها لطهيها.

  • جلال الجزائري-سطيف-

    لهم و لنات نحن ايضا
    اما عن العلاقات الاقتصادية مع مصر فلقد راينا مستثمريهم الانتهازيين الباحثين عن الفائدة و الفائدة فقط لا غير
    و افضل مثال ذلك الخبيث ساوريس الذي قام بتهريب العملة الصعبة و التهرب الضريبي
    فيا استاذنا لا نريد مثل تلك الاستثمارات التي لا تساعد في شيئ فحتى اليد العاملة يقوم المستثمر المصري بجلبها معه اذن اين الفائدة من استثماره هذا
    و ان كنا نريد مستثمرين فيجب ان يكونوا من الدول المتقدمة مثل اليابان فنتعلم منهم و نستفيد من نقلهم للتكنلوجيا و تكوين عمالنا
    سلام يا كرام.

  • جلال الجزائري-سطيف-

    لا ارى ان الشراكة مع مصر في الاقتصاد ستكون ذات منفعة على الجزائر فتقربهم الذي تحكي عنه لم ياتي الا لان الجزائر تحوز على ثروة عظيمة عطلة في الخزائن و يريدون استغلالها لتحقيق النمو في بلادهم و التخفيض من نسبة البطالة الحادة التي يعانون منها
    اظن ان على الجزائر ان تركز على تكامل اقتصادي مع جيراننا و اقصد بجيراننا كلهم و ليس تونس و المغرب فقط و انما حتى مالي و النيجر و ليبيا لاننا نحن من باستطاعتنا الاستثمار في هاته البلدان و نساعد في تنميتها لان نموها و ازدهارها سيساعد على الاقل في ضمان الاستقرار

  • أيمن فرغلى

    هكذا تكتب المقالات وهذه الجزائر التى نتمناها ومثلك من الكتاب ننحنى له إحتراماً , شكراً سيادة الكاتب سهيل الخالدي

  • محمد البرى

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
    الله يجازيك خير يا سيدى هذا الموضوع والله لو حدث ليكون نواة خير كبيرة بين الدولتين وعلى الامة الاسلامية كلها لما للدولتين من ثقل ادعوا الله من كل قلبى ان يلقى هذا المقال الاستجابة وان يخرج الى النور

  • عبدالرزاق زروق

    لو اجتمع الشعب الجزائري والشعب المصري فاعلم اننا سنصبح تنين افريقي في جميع المجال.

  • عبد الرحمان

    شكرااستاذ عى المقال يبقى ان تشير الى التكامل بين البلدين في ميادين مختلفة فيمكن الاستفادة من تجربة البرازيل كما اسلفت فهي الرائدة

  • بدون اسم

    الاقتصاد المصري كبير صح لكن رديئ و بعقلية قديمة اليوم التعاون الاقتصادي المتطور يتم مع سنغافورة و كوريا في مجال تطوير المرافق العمومية بتقنيات حديثة مستدامة عالية المستوى و التعاون في مجال الطيران و النقل الجوي و البحري مثل ما تتعامل الامارات مع سنغافورة في تطوير الخدمات الراقية المتطورة الراهنة و المستقبلية

    يجب علينا ان نتفتح على العالم مافي دولة متطورة منغلقة على التعاون العلمي و التجاري مع النمادج العالمية الناجحة

  • موحا السادس

    قالها اويحيى نحن نعمل و لا نتكلم ههههههههه دارت الناعورة

  • اسماعيل

    الاستاذ سهيل موضوع التعاون والتقارب الجزائري المصري مهم جدا جدا فالرجاء منكم أن تواصلوا الكتابة عنه والتحدث فيه وتفعيله في أكثرمن موقع ومقام وأرى أن هذا واجب عليكم .
    . وشـــــــكرا لكم.

  • ishakefaycal

    مصر لها خبرة كبيرة فى المجال الاقتصادى ولابد من الجزائر الاسفادة منها خاصة فى مجال البناء والزراعة .