-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائر: علاقات ضعيفة بالعرب واقتصادهم

سهيل الخالدي
  • 5919
  • 10
الجزائر: علاقات ضعيفة بالعرب واقتصادهم

قرأت كغيري من قراء هذه الجريدة نص المقابلة التي أجرتها مع وزير التجارة السابق الهاشمي جعبوب؛ الذي تحدث بحرقة تكوي قلب كل من فيه بقية من عقل ووجدان وطني في هذا البلد؛ وينتمي إليه كوطن ثقافي وليس كوطن جغرافي وحسب .

وسبق لي وأن كتبت عن الوطن الثقافي، فلم يعد مفهوم الوطن في هذا الزمان مفهوما جغرافيا، بعد أن حطمت التكنولوجيا المسافات، واخترقت الساحات، فقد صار الوطن هو ذلك الذي تنتمي إليه ثقافيا ويملأ كيانك، وهنا يبين نضالك وجهادك وعقلك فالقوى الدولية الكبرى مدعمة بالفكر الاستشراقي الاستعماري الذي يخترق الدول العربية ورؤساء مخافرها الذين يسمون أنفسهم ملوكا ورؤساء ..إلخ ..تسعى لاختراقك ثقافيا وتجعلك تنتمي إلى ثقافتها وأنت في جغرافيتك .. وهكذا هم رؤساء المخافر العربية وأتباعهم ومواليهم منضمون إلى النظام العالمي ويحكموننا لصالحه، ويديرون بلادنا من أجل مصالحه؛ يستوي في ذلك الحاسرون والذين يرتدون العقال والعمائم. وها نحن في الجزائر رغم مادفعه شعبنا من تضحيات من اجل استقلال هذا الوطن وثقافة هذا الوطن ودين هذا الوطن …نكتشف أننا كسبنا الجغرافيا ونكاد نخسر التاريخ والثقافة.

 كيف؟

 بكى وزير التجارة حتى أبكى؛ واشتكى مر الشكوى في المقابلة المشار إليها الشروق 13 / 5 / 2013  كيف أن اللوبيات التي بيدها مقاليد الاقتصاد الجزائري سلمت الاقتصاد الوطني الجزائري ومتعلقات الأمن القومي الجزائري إلى مصالح الدول الأوربية.

وضربت بشدة مصالح الجزائر على مستوى الدولي بما فيها مصالح الجزائر الاقتصادية مع العرب سواء مع المستثمرين الأفراد أو مع الدول أو مع المجموع خاصة ما يتعلق بمنطقة التجارة العربية الحرة وقد قال الوزير ذلك بلغته الدبلوماسية التي تفرضها مسؤوليته وثقافته وموقعه .وتأدبه ..ودعم كل ذلك بالأرقام.

 ويعرف قرائي أني كاتب دفعت ثمنا غاليا لموقفي مع المستثمرين العرب في الجزائر منذ مطلع هذا القرن. وأصدرت في ذلك كتابا عن المستثمر الإماراتي علي الشرفا وما جرى له .. وهاهم المستثمرون العرب انسحبوا منذ تلك الحملة الشعواء ضدهم التي وصلت إلى حد اتهامهم بالقضاء على طيور الحبار وطيور القطا، بل وإلى حد قطع الهواتف عنهم …. وها نحن اليوم نرى أن الدولة الجزائرية أرسلت وفودا لدولة قطر ودولة الأمارات وسترسل أخرى لدول أخرى .. والسبب في ذلك واضح هو أن المصالح الأوروبية التي طرد الممسكون بالاقتصاد الوطني الجزائري المستثمرين العرب من أجلها؛ لم تقدم للجزائر أية فائدة، حتى شركة الهاتف النقال التي انسحبت منها المجموعة الشرقية المتحدة، وأعطيت للمستثمر نجيب ساويرس المصري صاحب الهوى غير العربي تبين بعد سنوات أن ساويرس يتهرب من دفع الضرائب للدولة الجزائرية ولا تزال قضيته عالقة في المحاكم، بل كشفت بعض المواقع الإلكترونية أن الرجل ضالع في قضايا سياسية وأجهزة عالمية وطائفية كبيرة، بل كشف محمد رشيد مستشار المرحوم ياسر عرفات على فضائية العربية بان ساويرس قبض منه أكثر من مائة مليون دولار ليدخل سوق النقال في الجزائر . وقد انسحبت من الاستثمار في الجزائر مؤسسات استثمارية عربية ذات سمعة دولية كبرى، تستفيد منها ذات الدول الكبرى التى لا تحبها ان تستثمر في الجزائر كشركة أعمار وشركة المراعي وبنك الريان وغيرها وغيرها..، فالجزائر في نظر الأوروبيين يجب أن تبقى حديقة خلفية لها كما هي حال امريكا اللاتينية للولايات المتحدة الأمريكية . وطبعا لا يقع اللوم على هذه الدول ولا على شركاتها ومؤسساتها فهي تعمل لصالح نفسها وبلدانها وهذا حق لها، لكن اللوم على أولئك (القوم (الجزائريين الذين ينتمون إلى الجزائر جغرافيا وأما وطنهم الثقافي فهو في الضفة الأخرى ، وفوتوا فرصة نهوض اقتصادي كبير كان يمكن ان يتفوق على النهوض الإقتصادي الذي حدث في تركيا منذ أوائل هذا القرن .

 فعدا عن الاستثمارت في المجالات الإنتاجية والصناعية .. كان يمكن للاستثمار العربي أن يمتص مئات آلاف الأيدي الجزائرية العاملة في ميادين خدمية مثل:

1 – السياحة الدينية، فالجزائر تملك آلاف الزوايا التي ينتمي إليها ملايين البشر في الوطن العربي وإفريقيا وآسيا، ويتمنون زيارتها في مواسمها السنوية، مثل، الشاذلية، التيجانية، القادرية، الرحمانية، السنوسية. إن ملايين المسلمين والعرب تهفو قلوبهم إلى الجزائر، ومع ذلك لم ير أولئك القوم الذين يهيمنون على اقتصادنا الوطني أية مصلحة لوطننا سواء اقتصادية او سياسية او ثقافية مع هذه الملايين، فهل هناك جهل أكبر من هذا الجهل؟

2 –  السياحة الطبية: تعرف الجزائر عند أهل الصناعة الطبية في العالم بأنها مخزن الطب الطبيعي، ففي صحرائها أكبر غطاء نباتي طبي في العالم، لايزال مهملا حتى اليوم، وفيها من ناحية أخرى أوسع وأفضل حمامات المياه المعدنية سواء من حيث العدد او من حيث النوعية، ولو قرأ أحد هؤلاء القوم تاريخ منطقة حمام ملوان مثلا لعرف أن أشهر خطباء روما كانوا يأتون إليه لأن مياهه المعدنية تفيد في طلاقة اللسان. ناهيك عن الحمامات المعدنية التي تكاد تكون في كل هكتار من الأرض الجزائرية، ومن هو المستثمر الذي يملك المال والخبرة والقدرة على التسويق أفضل من المستثمر العربي.. لا أحد، بدليل أن بريطانيا مملكة وملكة استقبلت بحفاوة وترحاب كبيرين رئيس دولة الإمارات وأشادت بالمستثمرين الإماراتيين وطلبت منهم زيادة استثماراتهم في بريطانيا ووقع الطرفان اتفاقيات اقتصادية استثمارية كبيرة جدا جدا، وأرجو أن يعذرني الصديق المعني إذا ما قلت إن أحد الذين أعدوا لهذه الزيارة واتفاقياتها ورافقوا رئيس دولة الإمارات كان اقتصاديا من أصول جزائرية فماذا يضر (القوم) لو أن خيولنا تجري في مياديننا ؟

3- المساكن الشعبية : من المعروف أن الجزائر تحتاج إلى أكثر من مليون سكن سنويا، وظلت هذه المشكلة تراوح مكانها منذ الاستقلال وتراكمت فيها الأخطاء المرتكبة حتى تعقد الملف وصار مشكلا سياسيا اقتصاديا اجتماعيا، حتى أن كثيرا من الأبنية التي لم تراع فيها المعاير الاجتماعية وعادات وتقاليد الشعب الجزائري، ولا الظروف البيئية المحلية تحولت بدورها إلى عبء جديد، فصار سعر المتر المربع من أغلي اسعار البناء في العالم، بينما شركات الاستثمار العربية والخليجية خصوصا؛ لديها خبرات طويلة في بناء المساكن الشعبية لعائلات عاداتها وتقاليدها ومداخيلها ليست بعيدة عن عادات وتقاليد ومداخيل العائلة الجزائرية، كما لديها خبرة في بناء المدن الصحراوية ,, وبالتالي أعادت التوزيع الديموغرافي للكتلة البشرية ..بينما ترك أولئك (القوم)

 صحارينا شبه فارغة ومهملة اجتماعيا وهانحن نعاني في جانب من جوانب أمننا الاجتماعي والقومي ..فهذا ماجنته علينا عبقريتهم التي يزعمون وثقافتهم التي بها يتفاخرون .

 ولعل السؤال هنا هو : ما الذي فعله صاحب الحوار الصحفي وزير التجارة السابق الهاشمي جعبوب لفتح أسواق العرب أمام المنتج الجزائري ، إذ ليس من المعقول أن تتمكن الجزائر من تسويق منتجاتها الزراعية ـ ناهيك عن الصناعية ـ تسويقا مفيدا إلى الدول الأوروبية، فهي لا تحتاجها إلا من باب التنويع الفولكلوي بينما الدول العربية قاطبة تحتاجها للأستهلاك الواسع؟

لا أعرف الوزير جعبوب وإن التقيته مرة واحدة لمست خلاله تهذيبه، وبالتالي ليست لدي إجابة مدققة على هذا السؤال ولكني أعرف أن لدى الشركات الخليجية – خاصة في دبي- مهارة كبرى في التسويق حتى أن ميناء دبي يصدر لميناء ليفربول البريطاني ضمن ما يعرف بمنطقة التجارة الحرة.

ونرجو أن تكون الحركة النشطة للوفود التي رأيناها هذه الأسابيع بين الجزائر وأبي ظبي والدوحة والكويت وغيرها .. قد استفادت من تجربة السنوات السابقة وأن يكون أولئك (القوم) قد فهموا أن شعار العروبة الذي تم إهماله هو شعار ضد الإرهاب الاقتصادي والاجتماعي والفكري المسلط على مجتمعنا وشعبنا، ليس في الجزائر فحسب، بل في عموم الوطن العربي مشرقه ومغربه على حد سواء .

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
10
  • عبدو

    السلام عليكم كم بالجزائر من مضحكات لكنهن ضحكا مثل البكاء ما قلته يا دكتور إلا قطرة من بحر وما خفي أعظم وما تتدوله الصحف من إهدار المال العام والسرقة وإهدار القدرات وعدم الاحتراز ما كلف الخزينة اموال طائلة ذهبت سدى

  • احمد الجزائري

    .../... و هي التي نعبر عنها بمرحلة البناء و التششيد في الخطاب السياسي . مرحلة تقتضي اليوم التاكيد للهوية بمفاهيم جديدة تفرضها متغيرات عالمية كنا جزءا منها او لم نكن . فالسلم مثلا لم يعد مطلب اقليمي ضييق و الاستقرار لم يعد مطلب احادي الطرف و الاقتصاد لم يعد مجرد ماكل و ملبس و ماوى وكل تلك المطالب تتطلب منا قراة اخرى لحاضرنا و مستقبلنا معا بما فيها كيفية الحفاظ على هويتنا الوطنية و انتمائنا لها بموجب واقعنا العلمي و الثقافي ايضا كما دكرتم

  • احمد الجزائري

    الوطن في المفاهيم الكلاسيكية هو انتماء اقليمي في دائرة الهوية التعريف الدي عززه الواقع الاستعماري و التجاوزات الكبرى لحقوق الانتماء الجغرافي ما فرض على الشعوب توجيه الخطاب نحو لزومية الدفاع على هدا الانتماء بمفهوم الجهاد في الخطاب الديني و مفهوم الوطنية في الخطاب السياسي الا ان هدا المفهوم الكلاسيكي و مع انه لا يتصادم مع ارادة الشعوب في اعرافها الدينية و الانسانية الا انه بدا جليا ان هناك حلقة مفقودة في سلسلة الانتماء الكامل وهي تلك التي نعبر عنها بالجهاد الاكبر بالنسبة لنا كمسلمين .../...

  • حنصالي

    انا عندي تعقيب

    لو نضرنا لطبيعة استثمار تلك الدول هل هو منتج باستثناء شركة الزيوت فطبعا معضمها خدماتى او تجارى وبالتالى هو يدير رئس ماله وينميه لاغير
    2 الله اعلم ان انسحاب شركة اعمار للبناء هو بسبب ازمة العالمية وافلاس الشركة وهي تريد البيع على الورق كما فعل جازى
    والسوق الجزائرى تعرض لخيانة من الداخل فنتج ب>الك اطماع المستثمرين الفالسين وغيرهم
    شخصيا كنت قصدت شركة تركية للبناء قصد الحصول على مشروع فربئيت ان الامر فيه انا ففوضى توحى بشيئ ما فغادرت لاستعلم بعد مدة ان الشركة هربت بالملايي

  • ابراهيمي علي

    بعدما احتل بسمارك-موحد المانيا 1870-باريس عزم على ضبط الحدود الالمانية -الفرنسية,لكن واجهتهم في المانيا مسالة تداخل السكان في الالزاس واللورين,مما صعب عليهم رسم الحدود,فاشار عليهم الفيلسوف الالماني فيخته او فيشته فقال:ادلوا المنزل واستمعوا الى اللغة المستعملة,فان كانوا يتكلمون اللغة الالمانية فهم المان وان وجد تموهم يتكلمون اللغة الفرنسية فهم فرنسيون,اذن اللغة هي الجنسية والشخصية وليست وسيلة تفاهم فقط كما يقول بعض الجهلة,وللاسف فان بعض الجزائريين قدموا للغة الفرنسية اكثر مما قدمته لها فرنسا

  • بنت قسنطينة

    والله ياأستاد سهيل مقالك ادمى قلبي اكثر من ما هو مدمى فقد ايقظت الجرح الدي كان يتوارى في جوانحي عن الانظار...همي هو بلدي الدي يتهاوى والمصيبة بايدي اولاده رغم المقومات الاقتصادية والثروات الطبيعية والتنوع المناخي.
    وعوض الاستعانة بالاخوان الخليجين وخاصة الامارتتين الدين لهم باع كبير خاصة في الإعمار والاقتصاد نحن نختار الاجانب الدين يستنزفون ثرواتنا دون رحمة ومن دون حتى عائد مهم...فلنتفائل خير انشالله بهده الحركة الجزائرية الخليجية ان ترقى الى نتائج جيدة ونفيد ونستفيد وتكون اللحمة بين العرب .

  • m

    شكرا للكاتب المحترم سهيل الخالدي و لكن عندما نتكلم عن اللوبيات التي تعمل لصالح الأجنبي الأوروبي فلنحدد أنها تعمل بالأخص لمصلحة فرنسا التي تتحكم في كل صغيرة و كبيرة عن الجزائر حتى أصبحنا نرى مسؤولين يقال أنهم مجاهدون يخاطبون أبناء جلدتهم باللغة الفرنسية=لغة المحتل= رغم درايتهم بالعربية و الأمازيغية فلماذا نلوم الأخرين على ولائهم لفرنسا فخروج فرنسا الحقيقي من الجزائر يحتاج الى معجزة ربانية ففرنسا متغلغلة في كل القطاعات الحساسة من خلال عملائها

  • محمود

    سيدي إن من تصدّى لظالمي الوطن اقترف هو الآخر ظلما أبشع ولذلك فلن ينزل الله في مجهوده بركة.ألستَ حضرتك تحدثتَ عن تضحيات لاسترجاع الجغرافيا؟فما بالك بأقوام انبروا للذود عن الوطن الثقافي المنشود بهضم نصيب بعض أبنائه من هذه التضحية؟بل سأزيدك استغرابا سيدي حين أقول لك أن هؤلاء ساهموا في استرجاع الجغرافي والثقافي في حالتي السلم والحرب والرغم من ذلك ليس فحسب هُضِم حقهم ولكن قلِبَ رأسا على عقب وسجّلهم من تسميهم الغيورين عن الشق الثقافي في خانة الخونة وأعوان الإستعمار.الحق واحد لا يتجزّأ فإلى متى؟شكرا

  • kamiimar

    rabi yjib lkhéir llblad walah globna tabt wmasabna wach ndiro

  • جمال

    يا سيدي انا كنت اقرأ للشروق على مدار سنين طويلة و بلا شك فان مقالك هو المقال الاكثر قيمة واهمية و صدقا و انتماءً للعروبة بين كل المقالات التي كتبها كتابنا ...
    لكن الحقيقة فكرك هذا يحتاج الى توعية للشباب الذي عنده حس مسؤولية و قد قل هذا الشباب بسبب مشكلات المخدرات و السكن و البطالة فصرنا نحارب اليوم بطوله لكي نحصل فقط على ادنى الاساسيات لحياة الكائن الحي .اعتقد ان احد اهم اسباب النهضة هي تقدير القوة الاقتصادية لبلادنا و ليس باجتهاد فردي انما بعمل مؤسساتي منظم يضم قدرات الشعب الجزائري المبتكرة