الجزائر وإسبانيا تطويان الأزمة رسميا بعد زيارة سانشيز
تتجه العلاقات الجزائرية الإسبانية نحو مزيد من التعزيز بعد الزيارة التي قادت رئيس حكومة مدريد بيدرو سانشيز، الإثنين إلى الجزائر، ليرسّم بذلك البلدان إنهاء أزمة لم تدم طويلا، وقد جاءت هذه التطورات في سياق طبعه تعزيز الجزائر لعلاقاتها مع دول أوروبية كبيرة مثل ألمانيا، مع تضرر لافت في العلاقة مع فرنسا.
وقبل أقل من عقد من الزمن، كانت العلاقات بين الجزائر وباريس متقدمة على غيرها من العواصم الأوروبية، وحينها كانت المصالح الفرنسية تمر قبل غيرها من بقية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، غير أن تسارع الأحداث منذ سنة 2019، أخلط الحسابات في مشهد قلبت فيه المعطيات رأسا على عقب، بسبب ما يعتبرها الطرف الجزائري، استفزازات فرنسية متكررة، تعاكس المصالح الجيوسياسية للجزائر.
زغلاش: مدريد كانت أكثر حكمة من باريس في طي أزمتها
هذا المعطى ساهم في الوصول إلى الوضع الراهن، والذي يطبعه قرار السلطات الجزائرية إعادة هيكلة سياستها الخارجية بما يراعي مصالحها الحيوية، ومن هنا جاءت الحيوية التي تميز علاقات الجزائر مع جيرانها الأوروبيين، وما زيارة رئيس حكومة إسبانيا، إلا محطة من محطات هذا التوجه الجديد.
وبرأي الدبلوماسي والإطار السابق بوزارة الشؤون الخارجية، مصطفى زغلاش، فإن زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر، تعتبر تتويجا لنجاح البلدين في تجاوز أزمة تبين مع مرور الوقت أنها عابرة، وقد كانت القضية الصحراوية في قلب تلك الأزمة، التي أصبحت من الماضي، بإعلان الرئيس عبد المجيد تبون، التحضير لعقد الدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري – الإسباني في شهر أكتوبر المقبل.
وكان قرار الحكومة الإسبانية بدعم مخطط الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، سببا في تفجر الخلاف بين البلدين في سنة 2022، غير أن الطرف الإسباني، الذي كان تحت ضغوط كبيرة من قبل النظام المغربي (في إشارة إلى فتح المنافذ أمام المهاجرين غير الشرعيين)، حسب مصطفى زغلاش، عرف كيف يخرج من تلك الورطة، بعد ما قرر لاحقا رهن القرار الإسباني بما تقتضيه القوانين والأعراف الدولية، عكس دول أخرى مجاورة، لا تزال تنظر إلى مخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به النظام المغربي في سنة 2007، هو الحل الوحيد والأوحد، متجاوزة قرار هيئة الأمم المتحدة ذات الصلة.
وقال مصطفى زغلاش في تواصل مع “الشروق” إن “البعض يحاول التشكيك في الموقف الإسباني من القضية الصحراوية، ويحاولون استهداف العلاقات معها، غير أن موقف مدريد من هذه القضية أصبح واضحا ومستقرا منذ مدة، وقد أكدت في أكثر من مناسبة بأنها مع الشرعية الدولية ومع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، كما أنها لا تنظر إلى الحكم الذاتي على أنه الحل الوحيد، وهو موقف متوازن ولا يمكن الانتقاص منه”.
ويعتقد الدبلوماسي المتقاعد أن موقف الطرف الإسباني ينطوي على الكثير من الاعتدال والعقلانية، وهو ما ساهم في خفض التوتر، الذي قاد إلى الحد من تداعيات القطيعة الدبلوماسية على العلاقات التجارية والاقتصادية، والتي تضرر منها الطرفان ولكن بدرجات متفاوتة، مشيرا إلى أن إسبانيا ستربح كثيرا كما ربحت قبلها إيطاليا وأيضا ألمانيا، من هذا التقارب، لأن ما تتوفر عليه الجزائر من إمكانات وما توفره من امتيازات لشركائها الأوروبيين الموثوقين (الدول الثلاث) وخاصة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، لا يمكن لأي دولة في شمال إفريقيا أن توفره، وهنا تكمن خصوصية الجزائر.
ويبقى الخاسر الأكبر في معادلة التقارب الجزائري مع الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي، هو فرنسا، التي وضعت كل بيضها في سلة النظام المغربي، ولاحظ مصطفى زغلاش التراجع الملحوظ للمصالح الفرنسية في الجزائر مع بروز متنافسين جدد مثل الصين وألمانيا وإيطاليا وتركيا وإسبانيا، وهو ما من شأن أن يفقد باريس بعض الامتيازات التي كانت تتمتع بها شركاتها في الجزائر، مقارنة بغيرها من شركات البلدان الأوروبية الأخرى، مع تسليمه بأن العلاقات بين الجزائر وباريس، لم يتبق منها الشيء الكثير باستثناء الجانب الإنساني، في إشارة إلى الروابط الاجتماعية (الجالية الجزائرية)، التي تعتبر من مخلفات الحقبة الاستعمارية.
وبسبب المواقف الفرنسية غير المحسوبة العواقب، لم يستبعد مصطفى زغلاش، أن تتجرع باريس خسارة ما تبقى من مصالحها في الجزائر، والتي لم تعد تتجاوز قطاع الطاقة، الذي يبدو أن إيطاليا وإسبانيا وألمانيا قد استأثرت به، مستغلين خصوصية الظرف، وهو معطى يتحمله الجانب الفرنسي الذي لم يحسن لعب ورقة خفض التوتر، والتي باتت ليست على الأجندة في الوقت الراهن، مع عودة الاستفزازات الفرنسية انطلاقا من تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، من الرباط الأسبوع المنصرم، حول القضية الصحراوية.