أوسلو: من اتفاق مرحلي إلى مأزق وطني
في الذكرى الثالثة والثلاثين لتوقيع اتفاقية أوسلو 13/9/ 1993وقع الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي الاتفاقية وسط أجواء دولية وإقليمية أوحت بأن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة، وأن الاتفاق سيكون جسرا يقود لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، على الرغم من عدم ثقة أغلب الفلسطينيين في الداخل والخارج بهذه الاتفاقية نظرا لخبرتهم الطويلة ومعرفتهم المسبقة بالجانب الإسرائيلي.
الفلسطينيون يتطلعون إلى الحرية والاستقلال والعودة منذ نكبة عام 1948 وما تلاها من نكسات، لكن السنوات مضت ولم تنته المرحلة الانتقالية حسب اتفاقية أوسلو وتحولت المرحلة المؤقتة إلى واقع دائم أليم وسط تنكر الجانب الإسرائيلي للاتفاقية، وتحولت السلطة الفلسطينية من وسيلة تقود إلى دولة إلى عنوان سياسي بغير مضمون ومحتوى فارغ.
وثمة أسئلة عديدة تبرز:
ماذا كان الثمن؟
وماذا كانت النتيجة بعد ثلاثة عقود؟
لم تقم الدولة، ولم تُحسم قضية القدس، ولم تتوقف المستوطنات ولم تُرسم الحدود وبقيت قضايانا (السيادة والمياه والأمن والموارد والمعابر) مرتبطة بالسيادة الإسرائيلية، السلطة لا تمتلك مقومات الدولة وتدير ملايين الفلسطينيين، لكنها لا تمتلك السلطة الكاملة على الأرض أو الموارد أو الحدود أو المجال الجوي والمعابر، الإشكالية ليست في وجود مؤسسات للسلطة، بل في تحوُّل المؤسسات إلى غاية بدلا من أن تكون وسيلة لإنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة.
والسؤال المباشر والمهم هو: ما هي جدوى السلطة التي تراهن على التفاوض مع الاحتلال بينما يستمر الطرف المحتل في تغيير الواقع على الأرض والزمن لا يسير دائما في صالح الطرف الأضعف؟.
إن المعنى الأدق للاتفاقية ومخرجاتها وما ظهر منها أن المسألة تحولت من قضية شعب ينشد حريته والعودة إلى أرضه ودياره واستقلال قراره إلى قضايا السلطة والحكم والإدارة والرواتب والوزارات والانتخابات وبطاقاتV.I.P لمسؤولي السلطة.
من المؤكد أن أوسلو بعد ثلاثة عقود عليها تعتبر إحدى نكبات الشعب الفلسطيني وان لم تكن أشدها نظرا لعدم اعترافها بحق العودة لأكثر من ثمانية ملايين فلسطيني خارج فلسطين وأسقطت حق عودتهم
وعليه فان النتائج الكارثية لأوسلو تتلخص بأبرز النقاط الآتية:-
1- تكريس الاحتلال بدلا من إنهائه حيث كان الهدف المعلن للمرحلة الانتقالية تقود إلى تسوية دائمة لا تتجاوز خمس سنوات.
2- تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق A, B, C
وهذا التقسيم أوجد واقعا جغرافيا وإداريا شديد التعقيد وأصبحت الضفة مقسمة إلى مناطق متفاوتة من السيطرة والصلاحيات، وبقيت المنطقة C والتي تشكل نحو 60% من الضفة تحت السيطرة الإسرائيلية وأصبح هذا التقسيم مع مرور الزمن عاملا في تجزئة الأرض وإضعاف العامل الجغرافي بينها.
3- من أخطر نتائج أوسلو أنها لم تمنع استمرار التوسع الاستيطاني بل أصبحت المستوطنات والطرق إليها جزءا من واقع أكثر تعقيدا وساهمت في الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
4- تحويل السلطة من وسيلة إلى واقع دائم.
كان من المفترض أن تكون السلطة مرحلة انتقالية تقود إلى الاستقلال وما حدث أن السلطة تدير شؤون المواطنين من دون أن تمتلك السيادة الكاملة على الأرض وهذا جعل السلطة تتحمل مسؤوليات الحكم والإدارة والخدمات في حين بقيت عناصر القوة الأساسية للأرض والأمن والموارد في يد المحتل.
وبهذا لم يحصل الفلسطينيون بعد أوسلو على دولة ذات سيادة وإنما على صلاحيات محدودة هي اقرب إلى إدارة للبلديات وأبقت قضايا القدس واللاجئين والحدود والأمن والمستوطنات مرتبطة بمفاوضات مفتوحة لم ولن تصل إلى نهايتها.
5- تهميش البعد الشامل للقضية الفلسطينية
أوسلو ركزت بصورة أساسية على الفلسطينيين من الضفة وقطاع غزه بينما ملايين الفلسطينيين في بقاع الأرض ومخيمات اللجوء خارج دائرة الحل فأصبح الوضع الكارثي من قضية شعب فلسطيني بأكمله إلى قضية إدارة الأرض المحتلة عام 1967.
6- إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية
منظمة التحرير الإطار السياسي الجامع للشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها أما بعد أوسلو فقد انتقل مركز الثقل من منظمة التحرير إلى مؤسسات السلطة والضفة والأغرب أن رئيس المنظمة هو رئيس السلطة ورئيس حركة فتح وأصبحت السلطة بديلا للمشروع الوطني الفلسطيني بدلا أن يكون أحد أدواته.
7- تعميق الانقسام الفلسطيني
الفلسطينيون متفقون في أماكن تواجدهم على أن أرضهم محتلة ولا بد من العودة إليها واعمارها واستقلالهم كباقي شعوب الأرض وإدارة بلادهم بأنفسهم وإقامة دولتهم، وبسبب أوسلو حدث انقسام في الرؤية وبين المساومة والمقاومة، وأصبحوا أمام انقسام جغرافي وسياسي ومؤسساتي وهو ما أضعف القدرة على صياغة إستراتيجية وطنية موحدة.
8- تحوُّل الصراع مع العدو من قضية تحرر إلى قضية إدارة تحت الاحتلال بل الأخطر هو التنسيق الأمني مع الاحتلال والاكتفاء بالتصريحات والشجب والاستنكار بل وملاحقة مناهضي الاحتلال.
9- أصبح الاقتصاد الفلسطيني شديد الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي واعتماد على المساعدات الخارجية والتمويل ولم يتم الاعتماد على الذات بالرغم من الكفاءات الفنية الإدارية والفنية المحلية وعدم بناء مشاريع إستراتيجية نظرا للارتباط بآليات مالية واقتصادية مع الاحتلال نشأت بعد أوسلو ما حد من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاستقلالية ليكون قادر على دعم مشروع سياسي مستقل.
أستطيع القول إن أكبر مأساة في أوسلو أنها تحولت من مرحلة مؤقتة إلى مرحلة دائمة بينما استمر الواقع على الأرض في صالح الاحتلال.
وإن أوسلو لم ينه الاحتلال ولم يحقق الدولة ولم يحسم قضية القدس ولم يحل قضية اللاجئين ولم يوقف الاستيطان وزاد من الانقسام الفلسطيني.
وفي الختام أقول:
كيف نخرج من أوسلو؟
وكيف نبني مشروعا وطنيا جامعا؟
وما هو المطلوب من المؤتمرات الشعبية في الخارج وفلسطينيّي الخارج عموما؟
وكيف نستطيع إعادة بناء منظمة التحرير على أسس وطنية تستوعب الكل الفلسطيني؟
أسئلة مشروع تقود إلى سؤال أكثر وضوحا: هل تبقى القضية الفلسطينية أسيرة لأدوات مستهلَكة أم التفكير خارج الصندوق؟
* ما هي جدوى السلطة التي تراهن على التفاوض مع الاحتلال بينما يستمر الطرف المحتل في تغيير الواقع على الأرض والزمن لا يسير دائما في صالح الطرف الأضعف؟.
إن المعنى الأدق للاتفاقية ومخرجاتها وما ظهر منها أن المسألة تحولت من قضية شعب ينشد حريته والعودة إلى أرضه ودياره واستقلال قراره إلى قضايا السلطة والحكم والإدارة والرواتب والوزارات والانتخابات وبطاقاتV.I.P لمسؤولي السلطة.