الرأي

الجزائر… وطن لا يُساوم وهوية لا تُختزل

ساعد عروس
  • 460
  • 0

في لحظات الجدال المفتعل حول هوية الجزائر ومكانتها، يطلّ علينا بين الفينة والأخرى خطاب مغترب يختزل الأوطان في تصنيفات سطحية ومقاربات انتقائية.
ولأننا نؤمن أن أفضل ردّ هو إضاءة الحقائق، نكتب هذا المقال دفاعا عن الدولة الوطنية الجزائرية، وعن تاريخٍ لا تُنصفه إلا الشجاعة في روايته، وحاضرٍ لا تدركه إلا البصيرة في قراءته.

جذور تُغذي الحاضر… الجزائر قبل الثورة
الجزائر ليست طارئة على التاريخ… فمن ممالك نوميديا ورمزية ماسينيسا، إلى تفاعل الفضاء المغاربي مع الضفاف المتوسطية، ثم تَشَكُّل الحاضرة الإسلامية في شمال إفريقيا، تبلورت شخصيةٌ جزائريةٌ جامعة، أمازيغيةٌ عميقة الجذور، عربيةُ اللسان والثقافة، وإسلاميةُ الروح والقيم.
لم تكن هذه المكوّنات في يومٍ من الأيام خطوط فصال، بل كانت نهرًا واحدًا تتغذى روافده من التنوع وتصبّ في مجرى واحد اسمه الجزائر.

تحت الاستعمار… مقاومة تصنع معنى الدولة
مع الاحتلال الاستعماري، واجه الجزائريون سياسات الاقتلاع والطمس، فانبثقت مقاوماتٌ متعاقبة، من الأمير عبد القادر إلى المقراني والحداد وفاطمة نسومر وغيرهم.
لم تكن تلك المقاومات مجرد ردود فعل آنية، بل مشروع وعيٍ وطني يصون الأرض والمعنى معا، ويرفض تحويل الهوية إلى مادة قابلة للمساومة. هكذا نضجت الفكرة الوطنية وتراكمت عناصر القوة الرمزية والمادية، حتى بزغ فجر نوفمبر.

بيان أول نوفمبر… هوية تُصاغ في ميثاق تحرير
حين دوّى الرصاص الأول في 1 نوفمبر 1954، لم يُولد جيشٌ فحسب؛ بل ولدت معه دولةٌ بمعنى الالتزام: التزامٌ بالحرية والوحدة والعدالة، وحدّد بيان أول نوفمبر ملامح مشروع وطني يُلملم الجراح ويمهّد لدولة مؤسسات. تَرسَّخ هذا المشروع في الشرعية النوفمبرية التي صهرت الجزائريين جميعا، من كل الجهات والانتماءات، في بوتقة واحدة: جزائر الأمازيغية والعربية والإسلام، لا تناقض بينها ولا تفاضل، بل تكاملٌ وتساند.

بعد الاستقلال… بناءٌ صعبٌ وقرارٌ مستقل
خرجت البلاد من حربٍ دامية إلى معركة بناءٍ أشدّ تعقيدا… شُيِّدت المدارس والمستشفيات، وتشكّلت مؤسسات الدولة، واستعاد الجزائريون زمام لغتهم وثقافتهم، وتدحرجت عجلة التصنيع والتنمية رغم العواصف والعوائق، والأهم من ذلك أن الجزائر اختارت مبكرا استقلالية قرارها الخارجي: لا وصاية ولا تبعية ولا اصطفاف أعمى.
فغدت قبلةً لحركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وقدّمت أياديها البيضاء دون مِنّة.

الجزائر والعالم… ريادة الأخلاق والسياسة
لم تكن مواقف الجزائر ديكورا دبلوماسيا؛ كانت سياسة أخلاقية تدفع كلفتها بوعي واعتزاز، دعمت نضالات جنوب القارة الإفريقية ضد الفصل العنصري، وأسهمت في مسارات التحرر في أنغولا وموزمبيق وناميبيا وغيرها. وعلى رأس أمهات القضايا القومية، ظلّت فلسطين في القلب: الجزائر تحتضن قضيتها، تُناصر حق شعبها في الحرية والدولة، وترفع في كل المحافل شعار العدل قبل المصالح. وفي السياق نفسه، تتمسك الجزائر بمبدأ تقرير مصير الشعب الصحراوي وفق الشرعية الدولية، التزاما ثابتا بقاعدةٍ تأسست عليها دبلوماسيتنا: الشعوب أدرى بقدرها.
ومن هذا المنطلق الأخلاقي ذاته، وقفت الجزائر سدّا وقلعة صمّاء في وجه مدّ التطبيع مع الكيان الإسرائيلي. ليس تعنتا ولا مزايدة، بل ثباتا على بوصلة الحق وانتصارا لدماء الشهداء في فلسطين، ووفاءً لذاكرةٍ تعرف معنى الاحتلال ومعنى الحرية. هذا الثبات هو نفسه الذي يحفظ صدقية الجزائر ومهابتها ويفسر – لمن أراد الفهم – سرّ غضب خصومها.

الجيش الوطني الشعبي… سليل جيش التحرير وحارس الدولة
حين يُذكَر الوفاء لبيان نوفمبر، يُذكَر الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير، الذي ثبّت أركان الدولة وحمى وحدتها الترابية والسيادية، وواجه الإرهاب وحمى الحدود، ورافق الحراك الشعبي المبارك ذات 2019، وظلّ جيش الأمة لا جيش سلطة. بعقيدته الوطنية الأصيلة، كان ولا يزال صمّام الأمان الذي يجعل من أي مغامرة لتفكيك الدولة ضربا من الوهم.

الجبهة الداخلية… وحدة هوية والتفاف واثق حول القيادة
قوة الجزائر في جبهتها الداخلية: مجتمعٌ مصالِح مع ذاته، يعتزّ بتعدده داخل وحدة وطنية صلبة، ويجد في الدولة الوطنية إطارا ضامنا للكرامة والعدالة والمساواة. هذا الالتفاف الشعبي حول الهوية الجامعة، وانسجامه مع قيادته الوطنية، هو ما يحبط عمليات التشويش، ويجعل خطاب التيئيس والتشظي يضيع صداه في فضاءٍ لا يتلقّاه.

بعد الحراك… بين النقد البنّاء وتسويد المنجز
عرفت البلاد ديناميكيات اجتماعية وسياسية خلال سنوات ما بعد الحراك. ولإن كان النقد المسؤول ظاهرة صحية تصحّح المسار وتغذي التجربة الديمقراطية. لكن بين النقد المسؤول ومحاولات تسويد المنجزات مسافةٌ شاسعة: البعض يهوى التقليل من الإصلاحات، وتحقير ما يتم إنجازه في الجزائر الجديدة، والتشكيك في كل خطوة حتى قبل أن تُستكمل.
تلك قراءات مغتربة لا ترى من الجزائر إلا ما يوافق هواجسها، وتتنكّر لحقائق الميدان التي تُثبت أن الدولة ترسي قواعد صلبة لمؤسساتها الدستورية، وتمضي نحو تحديث الإدارة، ومحاربة الفساد، وتنويع الاقتصاد، وتمكين الشباب، وبناء منظومة ابتكارٍ واقتصادٍ منتج.

الجزائر الجديدة… ثم المنتصرة
بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، تثبّت الجزائر استقلالية قرارها وتُعلي سيادتها في القرار، والاقتصاد والماء والطاقة والغذاء، وتُحسن تموضعها الجيوسياسي بندّية ووضوح.
هذه الاستقلالية هي في جوهرها سبب غيظ خصوم الجزائر وراء البحار؛ فمن لا يطيق الدول السيدة يسعى إلى تحريك متبنّيه ثقافيا وإعلاميا من أبواق مأزومة وأقلام مغتربة لتشويه الصورة والنيل من المنجز.
لكن الجزائر التي تعلّمت من التاريخ معنى الصبر الاستراتيجي تعرف أن أفضل ردّ هو المراكمة على البناء: أمنٌ راسخ، شعب موحد ملتف حول قيادته، مؤسساتٌ متينة، اقتصادٌ مُنتج، ودبلوماسيةٌ مبدئية لا تتنازل عن الحق ولا تتورّط في تبعية.

إلى المشككين… وإلى أبناء الوطن
إلى الذين اتخذوا من المنابر الثقافية والإعلامية وراء البحار منصاتٍ للطعن في وطنهم الأم، وتشويه تاريخه، والانتقاص من هويته الجامعة، نقول: إن الجزائر أكبر من أن تختزل في مقالات متعسّفة أو خطابات مغتربة تبحث عن مجد زائف في جلد الذات والتنكر للأصول. الجزائر التي أنجبت ثورة نوفمبر، وصاغت هويتها بدماء الشهداء، وصانت وحدتها بجيشها الباسل وجبهتها الداخلية، لن يضيرها أن ترتفع هنا أو هناك أصوات مأزومة. بل على العكس، فإن مثل هذه الأصوات تزيد شعبنا تمسّكًا بهويته، وتؤكد صدقية مسار الجزائر الجديدة، السيدة المنتصرة، التي تُبنى اليوم بإرادة أبنائها المخلصين، لا بأقلام الغربة ولا بروايات اليأس.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والعزة والكرامة لشعبنا الأبي.

مقالات ذات صلة