الجسم واليد
لا يوجد في مدينة جيجل أحد من جيلي أو من الجيل الذي قبلي من لم يعرف أو لم يسمع عن “الأستاذ” (Le Maître)، الذي إن أطلق في جيجل لا ينصرف إلا إلى ذلك الشخص المسمى “العربي رولة، أو ابن غولة” (1902 – 1985).
كان يود منذ استرجاع “الاستقلال” أن تحوّل كنيسة جيجل – التي تشرف على أربعة شوارع– إلى مسجد كبير، وقد سعى في ذلك سعيا كثيرا، ولكن سعيه لم يثمر إلا في آخر عمره، حيث صدر قرار بتحويلها إلى مسجد، ولكن مكانها الآن عبارة عن مستنقع، ولم يوضع حتى حجر الأساس إلى الآن، “لأن البابور اللّي يكثرو فيه الرياس يغرق“.
كان الناس يظنون أن المسؤول عن هذا التماطل في تحويل الكنيسة هو السيد العربي سعدوني وزير الأوقاف (1965 – 1970)، فلما خلفه الأستاذ مولود قاسم قال بعض الناس “للأستاذ” العربي: لقد تغير وزير الأوقاف، وسيتحقق رجاؤك في تحويل الكنيسة إلى مسجد.
تبسم “الأستاذ” ابتسامة أكثر غموضا من ابتسامة “الجوكوندا” للرسام الإيطالي ليورناردو دافينشي، وقال لمن أخبره الخبر بتغيير الوزير: “أنا نقولكم الجسم بالكل مريض وأنت تقولّلي راه تنحّى اليد“، أي أن الداء استفحل وانتشر في الجسم كله، وليس في اليد فقط.
ذكرني بهذه القصة ما قاله خالد زياري، الذي وُصف بأنه ضابط سام سابق في مديرية الأمن الوطني، تعليقا على خروج رجال الشرطة إلى الشارع احتجاجا على “أوضاعهم السيئة“، قال خالد زياري: “إن رحيل المدير العام للأمن– عبد الغني هامل – بداية الحل“. (الخبر 18 / 10 / 2014 ص5).
إن المشكل يا سي خالد ليس منحصرا في هذا الشخص أو ذاك؛ ولكنه في هذا “النظام اللانظام” الذي عاث في الجزائر فسادا، وفشل في تسيير أبسط الأمور، كالبطاطا و“شكارة الحليب“… وفيه من العيوب ما يصح فيه قول شاعر في أحد الأشخاص:
وفيه عيوب ليس يُحصى عدادها فأصغرها عيبا يجلّ عن الفكر
ولو أنني أبديت للناس بعضها لأصبح من بصق الأحبة في بحر
وقديما قال الإمام الإبراهيمي، الذي غضب عليه شخص له: “حظ في السحاب وعقل في التراب“:
لا يقتضي تغيّر الأحوال ذهاب والٍ ومجيء وال
إن أقوى دليل على فشل هذا النظام اللانظام هو أننا منذ 1962 مانزال كلما مرض من وُضع رئيسا علينا، أو مات، نضع أيدينا على قلوبنا خوفا على الجزائر أن تتشظّى، وإذا كانت الأمور قد سارت بأي طريقة فيما مضى، فـ “ما كلّ مرة تسلم الجرة“.
إن هذا النظام اللانظام الأعمى عن رؤية ما يجري حوله، والأصم عن سماع صراخ الناس.. لم يفلح إلا فيما سماه العرب “بقبقة في زقزقة“، ومعنى البقبقة كثرة الكلام الفارغ، ومعنى الزقزقة هو الضحك من غير سبب الذي يدل على قلة– بل عدم– الأدب، أو الإتيان بالباطل.
اللهم لا نسألك رد القضاء؛ ولكن نسألك اللطف فيه.