الجنرال فوق العدالة
أحسست بإهانة كبيرة عند قراءة محضر استماع الجنرال خالد نزار من طرف وكيل الدولة السويسري… وقبل أن أقول لماذا، يجب أن أذكر أن الجنرال خالد نزار شغل منصب وزير الدفاع، وعضو المجلس الأعلى للدولة، حيث كان صاحب الأمر والنهي، في أصعب مرحلة عاشتها البلاد منذ الاستقلال.
-
هذا الرجل القوي، صاحب الحزم والصرامة، اضطر إلى تقديم نفسه أمام وكيل دولة صغير في سويسرا، واستجاب لدعوته، وأجاب عن أسئلته بكل احترام، وأجابه عن كل صغيرة وكبيرة حول ما كان يجري في البلاد في التسعينات من القرن الماضي…
-
لماذا سافر الجنرال نزار إلى سويسرا رغم أنه كان يعرف أنه محل متابعات في ذاك البلد؟ أم أنه لم يكن على علم بالشكوى التي قدمها ضده أحد المعتقلين السابقين؟ هل بلغ انهيار المؤسسات الجزائرية مستوى أصبح فيه رجل بهذه الأهمية لا يحظى باهتمام أية مؤسسة ولا يستفيد من خبرة أي مستشار قانوني؟
-
ولا شك أن مغامرات خالد نزار اليوم في سويسرا، ومغامرته السابقة بالأمس في فرنسا، تدفع عددا من المسؤولين في مرحلة التسعينات إلى التساؤل: هل بإمكانهم غدا أن يسافروا إلى الخارج بحرية؟ من سيكون الضحية المقبلة للقضاء السويسري أو الإسباني أو غيره من البلدان الأوربية؟ هل من الممكن الخلاص من تلك المتابعات القضائية؟ ألم يتحوّل العالم تدريجيا إلى سجن كبير بالنسبة لهم.
-
وعند قراءة محضر الاستماع لخالد نزار، تساءل الكثير: هل أعطى خالد نزار الأجوبة المقنعة؟ لماذا كانت أسئلة وكيل القضاء السويسري سياسية أكثر منها بوليسية؟ وهل كان الجنرال نزار مهددا فعلا وهل كان من الممكن أن يوضع في السجن؟ هل كانت الدعوى التي رفعها ضده مواطن جزائري في سويسرا في محلها، وهل تشمل هذه الدعوى باقي أعضاء المجلس الأعلى للدولة، أم أنها تقتصر على خالد نزار بصفته وزيرا للدفاع؟
-
عكس ذلك، ألم يكن الجنرال نزار بطلا أنقذ الدولة الجزائرية في مرحلة تاريخية صعبة؟ ألم يتخذ موقفا وطنيا حازما ليواجه أعداء الجزائر وكل من كان ينتظر انهيار المؤسسات الجزائرية؟ ولماذا يتابع القضاء السويسري الجنرال نزار ولا يتابع المجرمين مثل أريال شارون وبن يامين ناتنياهو وحتى الجنرالات الفرنسيين الذين ارتكبوا جرائم حرب في الجزائر أثناء المرحلة الاستعمارية؟
-
كل هذه الأسئلة معقولة، ويمكن طرحها والجدال حولها. ويمكن تنظيم حصص على قناة الجزيرة لنتابع مبارزة بين أنصار خالد نزار وأعدائه، وبين أنصار العدالة الدولية ومن يعتبر أنها لا تقاضي إلا القادة العرب والأفارقة… لكن هذا أمر آخر، ولا علاقة له بالإهانة التي أحسست عند قراءة محضر استماع القاضي السويسري لخالد نزار. وحتى وعود خالد نزار بالاستجابة للقاضي السويسري إذا تم استدعاؤه مستقبلا لم تحرجني…
-
إني أحسست بالإهانة لما عرفت أن الجنرال نزار، الذي أجاب القاضي السويسري بكل احترام، واستجاب له بطريقة متحضرة، وأجاب عن كل الأسئلة، بما فيها تلك التي لا علاقة لها بالقضية المروحة، أقول أن هذا الجنرال نزار لن يستجيب أبدا لوكيل الجمهورية لدى مجلس قضاء جزائري بسبب أعمال يكون قد ارتكبها ضد مواطنين جزائريين في التراب الجزائري… إني أحسست بالإهانة لما عرفت أن وكيل جمهورية جزائري لن يستقبل مواطنا يرفع دعوى ضد خالد نزار، مما يضع خالد نزار فوق القانون.
-
وهذا ما يثير أكبر إهانة بالنسبة لي: أن المسؤول الجزائري لا يخشى إلا قضاء البلدان الغربية التي كانت تستعمره سابقا…