“الجيش الأبيض” أولى بالدعم
لا أحد يُنكر أهمية الهبّة التّضامنية التي انطلقت في الجزائر، وشارك فيها آلاف رجال الأعمال والنّاشطين في المجال الخيري والمؤسسات العامة والخاصة، لكن ثمّة ممارسات تخلّلتها، أخرجتها عن إطارها، وأدخلتها في خانة الرّياء والتّفاخر على حساب كرامة المحتاج والفقير.
وعلى رأس الممارسات الخاطئة التي ارتبطت بالمساعدات خلال الأيام الأولى من انتشار الوباء، هو حرص المتطوِّعين ومقدمي المساعدات على تصوير أنفسهم أثناء تقديم المعونات الغذائية البسيطة إلى الفقراء والمحتاجين، ثم نشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، في مشاهد مبتذلة تعبّر عن ضحالةٍ في الفكر، وضمور في الأخلاق والقيم.
ولا تتوقف التّجاوزات الأخلاقية عند المحسوبين على العمل الخيري فقط، بل إن فئة من المواطنين تدفعها “اللّهفة” إلى التّدافع للحصول على المساعدات، ولو أن هؤلاء من المحتاجين والفقراء لأمكن تفهّم إقبالهم على المساعدات، لكنهم في الغالب من فئة المتطفّلين الذين ألفوا الحصول على حقوق غيرهم ولو بالقوة.
حدث ذلك في ولاية البليدة، التي نالت أكبر قدر من التعاطف والتضامن، إذ أن فئة قليلة أعطت صورة خاطئة عن أهل البليدة المعروفين بالتعفّف وعزّة النّفس، تلك الفئة تدافعت على أكياس البطاطا، وبعض المساعدات الأخرى التي وصلت من الولايات، ووُزّعت بطريقة فوضوية استفاد منها المتطفّلون، وحُرم منها الفقراء والمحتاجون، الذين غالبا ما يلزمون بيوتهم في انتظار ما يجود به المحسنون.
وهناك خللٌ آخر في العمليات التّضامنية، هو التّركيز على إرسال المواد الغذائية بكل أنواعها، إلى درجة تكدّسها في المخازن، وبداية الحديث عن فساد كمياتٍ منها، لأنها فوق حاجة العائلات المعوزة التي تصلها المساعدات دوريا، سواء من قبل اللجان الدينية للمساجد، أو الجمعيات الخيرية التي تحتفظ بقوائم محيّنة، فيها كل المعلومات عن العائلات الفقيرة واليتامى ومحدودي الدخل، وكان يمكن اللّجوء – منذ البداية -إلى هذه الجمعيات وإيصال المساعدات إلى البيوت بدل فتح مراكز توزيع.
أما الخلل الأكبر في العملية، فهو تركيز الهبّة التّضامنية في غير محلها، لأن المعلومات الواردة تقول إن المستشفيات لا زالت تعاني من قلة الإمكانات ونقص التّكفل بالعاملين فيها، ولولا بعض المحسنين الذين تفطنوا إلى هذا الأمر وركزوا جهودهم في تقديم المساعدات للطواقم الطبية لكان الوضع أسوأ، ولا أحد يشكّ أن قطاع الصّحة الآن هو أهمّ قطاع على الإطلاق، لذلك وجب الاهتمام به من قبل الدولة أولا، ثم المجتمع المدني الذي لا زال دون المستوى فيما يتعلق بدعم “الجيش الأبيض”.
وقد تكون الإجراءات الأخيرة التي أعلن عنها رئيسُ الجمهورية، بإعادة النظر في المنظومة الصحية، واحتساب عام تقاعد للعاملين في القطاع، مقابل عمل شهرين في زمن وباء كورونا، وغيرها من القرارات والوعود التحفيزية بداية لتصحيح الأوضاع، وإعادة الأمور إلى نصابها في هذا القطاع الاستراتيجي، على ألا يكون ذلك مجرد انتفاضة ظرفية أملتها الظروف التي نعيشها هذه الأيام.