الجَمل في عين الإبرة..!!
في أسبوع واحد.. قرأت في الصحافة المكتوبة والإلكترونية ما يربو على “حفنة” من المقالات التي تنعي غياب النقد عن حياتنا الثقافية، بصورة عامة، والجانب الفني من هذه الحياة خاصة، ويشكو كتابها من سوء فهم الكتاب والفنانين مقاصد كل من يقف موقفاً نقدياً جاداً، مبيناً الأخطاء والنواقص فيما ينتجونه من أعمال أدبية وفنية ودرامية على وجه الخصوص..!! وتفسيرهم ذلك الموقف على أنه مجرد سوء نية.. وحسد.. وكراهية.. وعدوانية سافرة..!! ويوغل بعض أصحاب تلك المقالات في تشريح هذه الظاهرة، حتى تبدو في صورة قاتمة..!! لا أمل معها في عودة “النقد” إلى الحياة.. مالم يموه نفسه بثياب الرياء والكذب، والمداهنة، والنفاق!! ورحت أبحث عن تفسير لهذه الكثرة من المقالات العطشى إلى النقد.. المتألمة على ما آلت إليه علاقاتنا الثقافية – الفنية من “شللية” و”إخوانية” و”طبطبة على الأكتاف” ومن “وجوه” و”أقنعة” متعددة، حسب مقتضى الحال.. و”نفع” المآل..!!:
.
– أهي مقالات رثائية فحسب؟ أم مقدمة لصحوة “نقدية” حان أوانها؟؟
وتلقيت من أصدقائي إجابات عديدة، بعضها لم يخل من طرافة:
.
–1–
بدأ أحدهم مستفزاً:
– ألست من المؤمنين بتعدد وجهات النظر..؟؟
– بلى.. ولكن ليس قبل أن تتحقق معالم “هوية” المنتج الفني، أو العمل الإبداعي..
– ماذا يعني هذا..؟؟
– أن نتفق على أن “الكرسي” شيء مختلف عن “السرير”، و”الجريدة” شكل آخر غير النص الدرامي..!!
– ماذا يعني هذا؟!!
– ذات يوم أبدى مخرج تلفزيوني استعداده لصناعة مسلسل درامي، من إحدى الجرائد الرديئة، تحت شعار: “دعونا نعمل أي شيء.. دعونا نعش..!!”
– وأنت..؟ ألا ترى في هذا الشعار “وجهة نظر” لمن هو مضطر إلى أي عمل.. وراض بأي عيشة؟! عجيب أمرك والله..!!
.
–2–
وسألني أحدهم:
– بماذا تفسر المعارك شبه الدائمة بين كل من المؤلف والمخرج، في المسلسلات السورية؟؟ ثم أليس المؤلف هو الأولى بنقد عمله، عندما ينتقل من الورق إلى الشاشة؟؟
– في غالبية ما تابعته من هذه المعارك.. لم يكن المؤلف إلا مدافعاً عن نصه أمام سخط الجمهور، وامتعاض النقاد، وأهل المهنة، من “الأخطاء”، ووجوه الضعف، والفشل، في العمل الدرامي، مبرئاً نفسه..!! مدحرجاً كل ذلك نحو المخرج الذي لم “يفهم” روح النص المكتوب..!! وسمح لنفسه بأن يتلاعب به حذفاً أو إضافة، أو سوء اختيار لمكونات الصورة، ولطاقم الممثلين.. إلخ..!! بينما تجيء ردود المخرج دفاعاً “ضعيفاً” في الغالب، لأنها تدور حول “هشاشة البناء الدرامي في النص أساساً”..!! وهو مأخذ سرعان ما ينقلب ضده، أمام الملأ الذين يضمر كل منهم في نفسه احتقاراً كبيراً لهذا المخرج، مجسداً في صورة سؤال استنكاري: “وكيف قبلت بإخراج هذا النص، مادام يعاني من هذا الضعف كله، وهذه “الرداءة” الفاقعة التي تتحدث عنها!!”.. وهكذا.. تنفض الشراكة “الإبداعية” بين قطبي العمل الدرامي الرئيسيين: المؤلف والمخرج، عند أول هبة لرياح “النقد”..!! والسبب – في رأيي – إنما ينبع من “أصالة” النفسية العربية المعهودة.. التي ماتزال “تقدس” العمل الفردي، وتتخبط في عجزها عن إدراك “عظمة” العمل الجماعي وثماره الحضارية المرتجاة..!!
– لقد ألقيت عليك هذا السؤال.. وفي ذهني المعركة المحتدمة بين مؤلف مسلسل “الولادة من الخاصرة” سامر رضوان.. ومخرجه سيف السبيعي..!!
– لم يغب ذلك عن باصرتي.
.
–3–
ودخل صديقٌ ثالثٌ على الخط بقوله:
– يؤثر عن الكاتب الفرنسي “موباسان” (1850- 1893) أنه كان يردد متذمراً: “إن القارئ يقول للكاتب دائماً: أرحني.. أسعدني.. هُزني.. أنمني.. أيقظني.. اجعلني أحلم.. أضحكني.. أبكني.. جفف دمعي وعرقي.. افعل شيئاً.. إنك تقدر على أي شيء..!! ولكن الكاتب والفنان ليس قادراً إلا على أشياء صغيرة..!! إنه يبكي وهو يحلم بأن يحرك الجبال..!! وأن يجعلها كالجمال تدخل في عين الإبرة..!!”.. وأنا أرى أن كل ما كان يطلبه “القارئ”، في عصر “موباسان”، هو ذاته ما يطلبه المتفرج، من الكاتب الدرامي، ومن بقية صناع المسلسل.. وهو مطلب عسير..!! ومع هذا فإن النقاد لا يتورعون عن الوقوف إلى جانب المتفرج، ضد المبدعين..!! فهل ترى أن هذا من العدل في شيء..؟؟
– ما أجمل قول الفيلسوف الذي غاب اسمه عن ذاكرتي: “ينبغي ألا نتوقف عن طلب المستحيل.. حتى نحصل على الممكن..”!!!
.
–4–
ومضى ناقدٌ صديقٌ يروي لي أسطورة غجرية، عن شاب لعنته الآلهة.. فجعلت أي شيء يلمسه يتحول إلى سكين: الأبواب.. الجدران.. الشجر.. الثياب.. الأصدقاء.. حتى شعر رأسه ورموشه هو.. تحولت إلى سكاكين.. وتجمعت حوله كومة من السكاكين..!! وحين حاول أن يبيعها.. استحالت النقود التي أخذها من الناس إلى سكاكين أيضاً..!!
أما نهاية هذه الأسطورة، فهي أن يلقي ذلك الشاب الغجري بنفسه من حالق، فوق أكوام من سكاكينه..!!
– ماذا يعني هذا..؟!
– بالنسبة لغجري، فإن الحكاية قد تعني أشياء كثيرة..!! أما أنا فأردت أنْ أؤكد على أنَّ “غالبية” الناس عندنا، يخشون النقد، ويتجنبونه..!! وأن “النقد” – مع ذلك – ليس سوى كائن مسكين..!! مأساته أن كل ما يلمسه يصبح سلاحاً موجهاً إلى صدره هو.. مثل ذلك الشاب الغجري “الملعون”..!!
– أأنت متشائم إلى هذا الحد..؟؟!!
– “إنك لا تعرف كم من الأضواء.. انطفأت في داخلي؟!!”.