الرأي

الحاجّ أمين وعرفات وبن غوريون وإعلان الاستقلال

بقلم: بكر أبو بكر
  • 445
  • 0

نجحت المساعي الاستعمارية الغربية بالتعاون مع الحركة الصهيونية بالوصول للحظة الحماس الشديد حين اجتمعت الأمم المتحدة الفائزة بالحرب الأوربية (المسماة العالمية) الثانية لتقرر تقسيم فلسطين عام 1947م إلى دولة للسكان من اليهود الديانة، وأخرى للمواطنين الأصليين أي العرب الفلسطينيين.

وهنا يعلن “أرثر بلفور” و”تشرشل” والرئيس الامريكي “نلسون” وزُمرُهم انتصارهم بإبعاد مواطنيهم اليهود النهائي عن بلادهم، كما تنتصر النازية بإبعاد كامل مواطنيهم اليهود عن ألمانيا موطنهم في أوربا. وتنجح الرواية الأسطورية التي استغلتها الحركة الصهيونية لحثِّ يهود قوميات العالم المختلفة على الهجرة إلى فلسطين بعد أن تعبت الحركة الصهيونية في مؤتمراتها العديدة من نقاش البدائل ما بين الأرجنتين وكينيا وليبيا وسيناء وفلسطين الخ…

خرجت القوات البريطانية الاستعمارية الغازية من فلسطين بعد تمكينها الحركة الصهيونية من جميع مقدرات البلاد بالتزام حديدي لهذه القوة الاستعمارية. وخلال الأعوام الثلاثين البائسة قامت الحكومة الإنجليزية بكل ما تملك من استباحة وطننا فلسطين وتمليكه لليهود سياسيا وعسكريا وإداريا واستخباريا إذ أن الوصول إلى النكبة بمذابحها في 1948 كان متوقعا وتحصيلَ حاصل مع حالة التمكين الصهيونية من قبل الاستعمار.

سعت الصهيونية إلى إقناع يهود القوميات المختلفة بالعالم بأنهم “شعبٌ” واحد وبأنهم وحسب الوعد المقدّس لهم “وطن”! وكان لهذا التزييف التاريخي أن أعطى مفاعيله بالإضافة لحقيقة العقلية الغربية الطاردة لليهود (اللاسامية) فتعاونت السامية مع اللاسامية (مع تحفظنا على المصطلح) لإبعاد يهود أوربا وغيرها عن موطنهم في سياق سردية مخادِعة وأسطورية سواء للمسيحية الصهيونية، أو للتيار الديني اليهودي، أو للصهيونية العلمانية التي تغطت بانتهازية قومية بعباءة أوهام التوراة. منذ الكلمة الأولى فيما سمي “إعلان الاستقلال” لدولة “إسرائيل” نطقت الرواية المخادِعة بعودة اليهود إلى “وطنهم”! والمنتصر متى فعلها بموافقة كافة الدول المنتصرة بالحرب له أن يسرد ما يشاء، ولكن التاريخ الحقيقي يبقى عصيًّا على الخداع. عندما خط فلاديمير جابوتنسكي ملك التطرف الصهيوني وصاحب فكرة طرد العرب كتابه الأول كان يدور في باله وضع أسس أخلاقية للقتل والطرد والسلب، فشّرع قضية سرقة أرض الآخرين، لاسيما لمن لديهم أراضي شاسعة كالعرب حسب وصفه، ثم قرر أن استحلال أرضهم لا يتأتى إلا بالقوة، وهو ما كان.

ولما كان سعي الحركة الصهيونية هو لإقناع اليهود من قوميات العالم بروايتهم المقدسة، فإن مطلب الاعتراف العالمي والقوة كانتا لصيقة بكل الحراك وجاء إعلان دولة الكيان مشتملًا على هذه الأبعاد. بعد أربعين عامًا لم يكن خافيا عن قيادة الثورة الفلسطينية في العام 1988 أن إعلان الدولة العبرية كان يجترّ روايات مهملة وذات تفاسير مختلفة مستلّة من أساطير التوراة التاريخية التي لا تعدّ ولا بأي شكل كتابًا تاريخيًّا. ولكنها القوة والغزو والخداع استغلت مع المذابح النازية والفاشية لجعل فلسطين وكأنها وطنٌ لمن لا وطن لهم بحسب فهمهم!

عندما خط فلاديمير جابوتنسكي ملك التطرف الصهيوني وصاحب فكرة طرد العرب كتابه الأول كان يدور في باله وضع أسس أخلاقية للقتل والطرد والسلب، فشّرع قضية سرقة أرض الآخرين، لاسيما لمن لديهم أراضي شاسعة كالعرب حسب وصفه، ثم قرر أن استحلال أرضهم لا يتأتى إلا بالقوة، وهو ما كان.

الإعلان الصهيوني المسمى إعلان الاستقلال في 15 ماي 1948م رفضه إعلان الاستقلال الفلسطيني من قبل المؤتمر الفلسطيني في غزة بذات العام في عام 1948م إثر النكبة.

الإعلانان عام 1948م بين الصهيوني والعربي الفلسطيني عندهما وقفت الأطراف داعمة للأول ورافضة للثاني، فتعلمت الثورة الفلسطينية الدرس أن تخط رسالتها وتكرّس رواية فلسطين بكل الأشكال والأبعاد، وبعيدًا عن أصابع العرب المشتعلة ضد فلسطين، فكان إعلان الاستقلال عام 1988 ومن الجزائر استثمارًا للانتفاضة المباركة من جهة، وإعلاما للعالم أن دولة فلسطين قائمة وتنتظر الاستقلال.

الفكر الفلسطيني العملي كان يفهم جدوى وأهمية إعلان الاستقلال لدولة فلسطين القائمة بالحقِّ الطبيعي والتاريخي والقانوني منذ الأزل، ولكي لا يكون الإعلان الإسرائيلي فقط ما يعلق بالأذهان وكأن فلسطين المستقلة انتهت. كما يأتي إعلانُنا أيضًا استنادا إلى قرار التقسيم ذاته الذي قرنَ الدولة اليهودية ونشوءها على أرض فلسطين حكما بقيام الدولة العربية الفلسطينية.

لقد كتبتُ باختصار عن أهمية إعلان الاستقلال العربي الفلسطيني في وسائل التواصل الاجتماعي وإثر مقابلة رائية وإذاعية أن إعلان الاستقلال لدولة فلسطين-15/11/1988م-الجزائر، يعدّ:

1- استثمارا سياسيا ذكيا للانتفاضة المباركة.(1987-1993م)

2- مضادا لما سمي إعلان الاستقلال الإسرائيلي 1948

3- تثبيتا للرواية التي سردها الرئيس عرفات عام 1974م بالأمم المتحدة وفتح بها باب الاعتراف العالمي بفلسطين

4- المضمون: جهد جماعي سياسي ثقافي أدبي

5- مدخلا لقطع الطريق على عبث الأنظمة العربية، وتدخلاتها كما فعلت بإعلان الاستقلال الأول 1948م في غزة.

6- تتابعت الجهود (العسكرية والميدانية والسياسية….الخ) بإعلان فلسطين دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة بجهود الرئيس أبو مازن عام 2012

7- النضال مستمر، والفلسطينيون لا ينسون، والنصر قادم.

لم يكن الإعلانُ الأول عام 1948 من قبل الحاج أمين الحسيني إلا تطبيقًا لمطالب الثورات والأحزاب والقوى الفلسطينية المختلفة في فلسطين من الحكومة البريطانية، وهو ما دأبت على ترداده الأدبيات آنذاك والتي رفضت الهجرة اليهودية، وعصابات الإرهاب الصهيونية، وعملية الاستعمار والطرد والإحلال. ولكن اليد الغليظة صدمت الحاج أمين الحسيني بطل الإعلان الأول وأبقت الإعلان حبرًا على ورق، ليأتي إعلان ياسر عرفات عام 1988م ليتحوَّل من الورق وعبر شلَّال الدم والعرق والجهد إلى منصة الأمم المتحدة دولة بعضوية مراقِبة تنتظر نظرة أوسع من الأمة العربية والعالم الحر لتكون في مقدمة الدول المتقدمة. ولن ينطفئ الأمل بالدولة المستقلة سواء على المتاح من الأرض، ثم لاحقًا على الدولة الديمقراطية في كل فلسطين. رغم مساهمة بن غوريون الفاعلة في العصابات الإرهابية الصهيونية ثم إعلان استقلاله، إلا أنه كان يبحث في أواخر حياته عن حل لسرقة أراضي الغير، أي أرض فلسطين، متتبِّـعًا ومتشكِّكًا بالرواية التوراتية التي رآها من 2000 عام مضت، ولا قيمة قانونية لها أو أخلاقية ما أدى لاحتلال أرض الغير، وكأنَّه كان يبحث عن مَخرج أخلاقي من أزمته كما كان يحاول قبله جابوتنسكي. وهو ما يحاول الكيان الصهيوني اليوم بيمينه المتشدد ويمينه الإرهابي ويمينه المتطرف أن يفعله ولكن بشكل عكسي أي بالإغراق في عنصريته وأوهامه التوراتية وإرهابه وتطرفه بادِّعاء امتلاك الأرض كلها، ومن عليها الذين يمكنهم أن يعيشوا فقط كأجانب على حدِّ قول نتنياهو أو فليُطردوا وهو أفضل!

مقالات ذات صلة