-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الحرقة الفلسطينية

الشروق أونلاين
  • 1256
  • 1
الحرقة الفلسطينية

بين الفينة والأخرى ووسط اضطراب موج الحدث العربي، تتناقل الوسائل الإعلامية المختلقة أخبارا عن شكل جديد للموت، بدأ يتسع نوعا ما في الفترة الأخيرة في إطار بعض الفئات من الفلسطينيين النازحين من مناطق القتال الداخلي، وأكثرهم من سكان المخيمات الفلسطينية في سوريا. إنه الموت غرقا هربا من الموت، وهي في الواقع عملية قتل لها أسبابها التي لم يطو ملفها بعد، لن تكون خارجة عن المشهد الدرامي الذي بات يسبح فيه الفلسطينيون في عدد من البلدان، إنه نتاج مجموعة من العوامل وليس خيارا ذاتيا فقط تم الدفع نحوه، وصاحبه يعتقد أن هذا الطريق قد يؤدي إلى الخروج من هذا المأزق. ومن أخبار هذا المشهد ما تم نشره حول: – غرق مركبة يوم 14 / 10 / 2013 تحمل 375 مهاجر قبالة السواحل الإيطالية المالطية. هذا العدد موزع بين السوريين والفلسطينيين، هناك 32 حالة وفاة.. انطلق هذا المركب من ليبيا حيث تعرض إلى إطلاق نار من زوارق ليبية. – في ذات الأسبوع ضبطت سلطات الحدود المصرية محاولة تهريب 21 مهاجرا في منطقة أبو قير التابعة لمحافظة الإسكندرية، منهم 14 فلسطينيا والباقون من سوريا.. بعدها بأيام قليلة أحبطت السلطات المصرية محاولة تهريب أخرى مكونة من 102 شخص كانت وجهتها نحو إيطاليا، من بينهم 32 فلسطينيا.. الخ. وقبل ذلك حصلت محاولات مشابهة من الأراضي التركية.

إن حركة الهجرة “اللامشروعة” هذه، قد شكلت وحدة حالة موضوعية بين فئات عربية متعددة، وحدت المعذبين، وإن كانت خيارا لا يحمل الحلول للمشاكل بل يولد المشاكل، إلا أنها تعكس في جوانب معينة عدم قدرة تلك الأوطان على توفير عوامل الاستقرار والأمان الحياتي لتلك الفئات. وربما كان أوضح مثال على ذلك هو ما حصل لبضع عشرات من اللبنانيين في رحلة الموت أيضا إلى أستراليا منطلقين من إحدى المدن الأندونيسية، حيث ابتلع المحيط أسرا بكاملها.

كيف يمكن أن يكون الوطن لجميع أبنائه وما تجسيدات ذلك؟ هل هي برقيات العزاء لأسر الضحايا؟ إن البلاد التي أصبحت قبلة لهروب الموت ليس لديها الإمكانات الأولية التي تؤسس للتقدم والرقي الاقتصادي أكثر من بلادنا، بل ربما تكون نهضتها قد شيدت على حساب ثروات شعوبنا، والقصد هنا أننا نمتلك كأوطان عربية ما يكفي للتخلص من تلك المشاكل.. الخ. إن الحروب الداخلية التي صنعها العامل الخارجي والذي يسعى إلى تدمير مقومات العديد من بلادنا، قد أضافت قطاعات جديدة من ضحاياها إلى حقل هذه الهجرة القاتلة. إن هذا الموضوع قد تحول إلى مشكلة مستعصية في الإطار الفلسطيني، من زاوية محاولة التصدي للأسباب التي على الأقل من الممكن أن تقلل من عابري هذا الطريق، إنهم أبناء القضية الفلسطينية.

لقد كان للهجرة “اللاشرعية” قبل الظاهرة الحالية علامة محدودة في التاريخ الفلسطيني، وبالذات كونها ارتبطت بمرحلة معينة وبالحاجة الماسة إلى العمل من أجل الحياة ومصاعبها، ومن جانب آخر محاولة تجاوز مجموعة من الشروط التعجيزية التي كانت مفروضة على الفلسطينيين من أجل السماح لهم بالدخول إلى بعض البلدان من أجل العمل بها. لقد حفر الأديب الظاهرة غسان كنفاني أخدودا لا يمحى في شريط الذاكرة الفلسطينية حول ذلك. وكانت روايته الخالدة “رجال في الشمس” هي المجسد الواقعي، حيث لا تزال، ومنذ 1963، المقولة الشهيرة: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟” تتردد وكأنها نسجت بالأمس. وهي العبارة التي أطلقها أحد شخصيات الرواية دون أن يسمعهم أحد.

أما النمط الحالي للهجرة الذي أصبح ظاهرة متداولة ومفروضة على الجهات المعنية وغيرها، إنها محاولة الابتعاد عن مواقع القتال الأعمى أولا ثم الهروب من التداعيات المختلفة التي طالت الفرد والأسرة الفلسطينية سواء من المجموعات المسلحة التكفيرية أم من قبل بعض الدول. صحيح أن النازح الفلسطيني قد تقاسم الأحزان مع شقيقه السوري الذي تجاوزت معاناته كشعب وأفراد ومؤسسات دولة كل التوقعات، بل إن ما تشهده سوريا هو مخطط تدميري غير بعيد عن المخطط الذي غرقت فيه العراق وليبيا لكنه أكثر دموية وتدميرا. عند الحديث عن النازحين من الشعب السوري في الداخل السوري وخارجه في الدول المحيطة يتم الحديث عما يقارب ربع الشعب السوري. وهي فاجعة ليست عفوية أو مرتبطة بالنتائج التلقائية للحرب وفقط، بل إن من خطط لهذه الحرب العدوانية ضد سوريا من الدوائر الإمبريالية والأدوات المحلية التي تغطّي بـ”سخاء” متطلبات تدمير هذا البلد بمقوماته المتعددة، قد سعوا أيضا إلى محاولة تكسير شخصية ومعنويات ومعيشة المواطن العربي السوري، وصولا إلى إنتاج وتعميق الشروخات داخل مكونات هذا الشعب، ثم بينه وبين مؤسساته ودولته. وهو الأمر الذي تواصل تلك الدوائر المعادية متابعته بمرحلتي الحرب والسلم. ومن الصحيح أيضا أن ما يتعرض له الفلسطينيون اللاجئون في سوريا يرتبط بما تتعرض له سوريا وشعبها. ومن الجانب الآخر يرتبط بالمعنى السياسي بقضيته التحررية وما تشهده في هذه المرحلة من محاولات تصفية سياسية.. الخ. لقد بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين داخل سوريا وخارجها أكثر من 300 ألف نازح تبعا لتصريح صادر عن وزير العمل الفلسطيني، وهذا يعني أن ما يعادل نسبة 75 ٪ من سكان المخيمات الفلسطينية في سوريا قد باتوا يعيشون حالة نزوح جديدة يبدو أنها أخطر في بعض الجوانب مما سبقها، إن من يركبون البحر باتجاه المجهول هم جزء بسيط من تلك النسبة.

عوامل أخرى: – لقد تعاملت المجموعات المسلحة والتكفيرية تحديدا مع المخيمات الفلسطينية وسكانها، وكأنها أسيرة لديها، تستخدمها في المقايضة مع السلطات السورية، أو لتحسين مواقعها العسكرية الميدانية، بالتالي زجّت بها لتكون وسط حمم الموت. – لقد تأزم وضع النازحين الفلسطينيين الأكثر اتصالا بموقف حكومات دول الجوار السوري، فالبعض منها يجاهر علنا برفضه لدخولهم إلى أراضيه بمبررات واهية ومختلفة، لكنها في حقيقة الأمر تعبر عن موقف سياسي مستمد من الموقف تجاه الفلسطينيين المقيمين على أرضها، حيث يمنعون من العمل في كل المهن الأساسية والمعروفة باستثناء مهن الأشغال الشاقة.. كما هو عليه موقف الحكومة اللبنانية. وهناك من يوافق على دخولهم أراضيه لكنه يرفض تحمل أية مسؤوليات تجاههم، بل يرفض السماح للهيئات التابعة للأمم المتحدة ذات الصلة بحصرهم وتسجيلهم في قوائمها. الشيء البارز الذي تسمح به هذه الدولة هو فتح المجال أمام الهجرة “غير الشرعية” بشكل “غير رسمي”. وهو خيار الابتزاز وتجريدهم من ممتلكاتهم الشخصية تقوم به مافيا التهريب، وكذلك ترفض إقامتهم في مخيمات لوحدهم أو مع أشقائهم السوريين. هذا هو موقف الحكومة التركية، وآخرون قد يلجؤون إلى منع دخول النازحين إلى أراضيهم وبالتالي إرجاعهم من حيث أتوا، وسط شريط النار أو عزل من تمكن من الدخول، إذن بكون الفلسطيني ابن المخيم في سوريا مخيرا، موضوعيا، بين البقاء داخل المخيم أسيرا لدى المجموعات المسلحة وقيد الاستخدام في مواجهتها مع الجيش السوري بكل ما يحمله هذا الخيار من مخاطر القصف والتدمير، والخيار الآخر أن يغادر إلى مكان آخر داخل سوريا، إمّا أن ينجح بذلك أو لا ينجح. وسط هذا المناخ نجد فئات تحاول المغادرة إلى الخارج هربا من حرب سوف تلحق الضرر بالقضية الفلسطينية إذا تحققت أهداف الدوائر الاستعمارية، وبالتالي تستمر بعض الفئات ممن نزحوا بالسير في هذا الممر المفتوح أمامها بشكل متعمد من بعض الجهات. وكما يبدو فإن طريق الانتحار هذا ضمن مجموعة طرق أخرى يجده البعض ممن يسعون إلى استثمار كل الفرص من أجل إنهاء أو قتل حق العودة للاجئين الفلسطينيين والتخلص من القرار الأممي رقم 194. وبالتالي أصبح الفلسطيني يتحرك ضمن ما يشبه حقل الألغام، فالبعض يريد شطب حق العودة ومعه المخيمات ووكالة الغوث، إنهم لا يريدون سماع أي شيء عن اللاجئين الفلسطينيين وعن حقهم لصالح دولة الاحتلال الصهيوني طالما استطاع الفلسطيني إفشال مشروع التوطين.. بل والبعض العربي يفهم حق العودة بخروجهم من دولته إلى أية جهة لأنه أسير للحسبة السياسية والديمغرافية الداخلية.

 

إن قضية الهروب من موت إلى موت هي جزء من مشكلة أولئك الفلسطينيين والبعض- كما أسلفنا  القول- من دول الجوار يربط مسلكه اللاإنساني تجاه هؤلاء النازحين بالموقف من القضية الأم بعناوينها الأساسية، وإلا لماذا يمنع الهارب من خطر الموت من دخول أراضي تلك الدول أو ترفض دولة مثل تركيا تحمل أية أعباء ولو كانت محدودة تجاه من يلجأ إلى أراضيها عبر الحدود. فهو لم يحضر إلى تركيا للسياحة، نشير إلى هذا وذاك مع تسجيل التقدير لتلك المواقف المؤيدة لجوانب محدودة من النضال التحرري الفلسطيني أمام كل ذلك، ما دور القيادة الفلسطينية بكل مكوناتها التي يتوجب أن تتحمل مسؤولية تفكيك المشاكل الضاغطة التي تعيشها المخيمات وسكانها، أولئك المعذبون داخلها وخارجها في المواقع المختلفة للنزوح، وفي مقدمة الخطوات يأتي توحيد الموقف ثم إعطاؤها أولوية لا تقل أهمية عن تلك التي تعطى لجلسات التفاوض التي وصل تعدادها إلى 17 جلسة منذ قرار العودة إليها في 16/07/2013  بعد اللقاء مع جون كيري، وبالتالي اتخاذ إجراءات عملية في دعمهم ومتابعة قضاياهم، وتنظيم هذا العمل ومحاربة محاولات استثمار جراح شعبنا من هذه الجهة أو تلك. ومن ثم فتح أبواب السفارات الفلسطينية أمامهم وأن تكون أحد بنود تقييم عمل السفارات والسفراء هو مستوى قيامهم بمساعدة هذه الفئات التي مزقتها ظروف الحرب. لماذا لم تتم اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الخاصة بهذا العنوان؟ بعد ذلك وقبله ألا يمكن التحرك عربيا وإقليميا وداخل المؤسسات الأممية لتوفير الدعم والحل لمشاكل مخيماتنا في سوريا؟ لماذا لا يبحث ذلك الذي يدعم الجماعات المسلحة التي تسيطر على مخيم اليرموك من أجل إخراجهم منه وجعله منطقة آمنة ومحايدة مثلما كان وضعه قبل اقتحامه؟ لماذا لم تطالب القيادة الفلسطينية إمارة قطر بتدخلها في هذا الاتجاه وهي الدولة الأولى من حيث قوة الدعم الذي يقدم للمجموعات المعارضة المسلحة، إذا لم يترجم الدعم للقضية الفلسطينية ولشعبها في هذه الحالة، ماذا يكون نوع  الدعم؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • ابو الليث الناطور

    تعود الشعب الفلسطيني ان يدفع ثمن انهيار وفساد انظمة الحكم العربية