الحسابات الأمريكية وإرادة أبناء العراق
لنعد إلى الوراء ونقرأ من جديد أطروحات النخب اليمينية الأمريكية حول المنطقة العربية، وكيفية صناعة مستقبلها بما يتلاءم مع رؤية من أصبحوا يعرفون بالمحافظين الجدد…
-
تنظيرات هؤلاء انتهت إلى ضرورة السيطرة على العراق وإقامة نظام مؤطر وفق رؤى وتصورات هؤلاء اليمينيين، ثم تعميم نموذج العراق الأمريكي على بقية دول المنطقة… هذا المشروع يعني أن الإدارة الأمريكية قررت دون تراجع إسقاط الأنظمة التقليدية التابعة لها من حساباتها، بعد أن تأكد لها على ما يبدو، أن الأنظمة القائمة في الخليج ومصر والأردن والمغرب في الشمال الإفريقي، تتنافى بحكم طبيعتها وتركيبتها وذهنية حكامها مع منطق المستقبل، وبالتالي غير قادرة ولا مؤهلة للعب الدور المنتظر منها أمريكيا… بعدها أقدمت الإدارة الأمريكية على اجتياح العراق على أمل أن يستقبلها أبناؤه بالورود، كما كانت تعتقد وكما أوهمها عملاؤها، لكن رياح العراق جرت بما لا تشتهيه السفن الأمريكية.
-
الآن وبعد أن جرى الذي جرى، هل يمكن لعاقل أن يتصور إقدام الإدارة الأمريكية، على سحب جيوشها من العراق، بعد أن خسرت الذي خسرته من مال وعتاد وبشر وسمعة، بل وحتى مشروع؟
-
إن الذي يحرك الإدارة الأمريكية هو مشروع سياسي واقتصادي وفكري مترابط غير قابل للديمومة والعيش في المنطقة، إلا في حالة الإبقاء على القبضة الأمريكية بأي شكل من الأشكال على العراق، لأنه البلد الوحيد المؤهل بحكم معطيات التاريخ وعوامل الجغرافيا وطبيعة الإنسان والمؤهلات الاقتصادية، على قيادة المنطقة ونقلها من حالة إلى أخرى… هذه حقيقة يعرفها بعمق وعن وعي تام صناع القرار ومنظرو المحافظين الجدد في البيت الأبيض والبنتاغون والكونغرس والجامعات والمعاهد والمراكز المتخصصة في تطويع الذهنيات في الولايات المتحدة الأمريكية، وهم محقون في ذلك، لكنهم لا يدركون أن طبيعة العراق مؤهلة لنقل المنطقة من حالة إلى أخرى، لكن ليس في الاتجاه الذي يتناغم مع الحسابات الأمريكية، بل في الاتجاه المناقض لها.
-
المؤكد أن أمريكا لن تغادر العراق وتتركه لأهله هكذا، وكأنها دخلت بالفعل لتحريره، كما تدعي، بل ستبذل المستحيل من أجل تكبيله لعشرات السنين القادمة، خدمة لاستراتيجيتها البعيدة المدى، لكن بالمقابل هل يقبل الذين أفشلوا المشروع الأمريكي لحد الآن بغير التحرير الشامل والجذري للعراق من المحتلين والعملاء الذين أتوا معه… إن المعركة الدائرة في عراق اليوم، بين المشروع الأمريكي والمقاومة العراقية، تمثل أعنف وأشرس مواجهة بين إرادتين، ونتيجتها لن تختلف عن تجارب المواجهات التي سبق أن خاضتها شعوب أخرى ضد قوى الاحتلال والغطرسة.