الخصومة الفاجرة!
رغم تغني كثير من الناس بقبول الخلاف والاختلاف في الطباع والنفوس، على أنه من فطرة الله تعالى في خلقه.. وهناك كثير من الأمور ما هو فيها نسبي قابل لأن يفهم على وجه، ووجه آخر، إلا أنه عند التطبيق العملي لا تجد مثل هذا الكلام المعسول.
وأضحى الخلاف سببا بين الناس، بل تعدى ذلك إلى “الخصومة الفاجرة” بينهم، فأوغرت الصدور، وتفرقت القلوب، وقد حذر الرسول – صلى الله عليه وسلم– من الخصومة الفاجرة.. والفجور في الخصومة هو أن يميل عن الحق، وأن يقتحم الباطل، وأن يزور الحقائق حتى يثبت للغير أنه على صواب، وأن خصمه على باطل، فيصاب الإنسان بعمى الفكر وانطماس القلب.
الإنسان قد يجتمع فيه إسلام وجاهلية، وتكون في مقابل إسلامه جزءا يسيرا، ومن أخطر مظاهر الفجور في الخصومة هو التحول من الاختلاف في الرأي والتعبير عن ذلك الاختلاف إلى السب والشتم والرمي بالأشياء القبيحة والبهتان، ومن بذيء الكلام.
وقد حثنا الدين الحنيف على ميزان العدل في القول والفعل، وألا تكون الخصومة والاختلاف سببا في قلب الحق باطلا والباطل حقا أيا كان صاحبه.. إنه لمن الصواب ألا نحكم على إنسان في موقف من المواقف على أنه مخطئ، غير أن هذا يجب ألا يتعدى إلى إطلاق أحكام قيمية بل وجب الحكم على موقفه بصفة فردية ومعزولة وكفى.
ونذكر في هذا المقام قول الإمام الشافعي رحمه الله: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.. فما تراه أنت صوابا فهو في عين الآخر خطأ، والعكس بالعكس.
بتصرف عيسى فراق
..والله يا سي عيسى، لقد كفـّيت ووفـّيت، وقلت ما لا يُقال، فما أحوجنا إلى أن نقول لبعضنا ما لا يجب قوله، وقديما قال الحكماء والشرفاء: “خذ راي الـّي يبكيك وما تاخذش راي الـّي يضحكك“!
فعلا.. علينا جميعا أن نحارب هذه الخصومة الفاجرة التي عمّقت الاختلاف بين هؤلاء وأولئك وحوّلته إلى خلاف بين شرائح المجتمع وفئاته، ممّن تخلـّى أو يكاد يتخلّى عن جيل جديد لم يعد يفرّق بسبب ظروف وآثار بين الخصومة والنعومة!
الخصومة الفاجرة هي التي فرّقت بين أفراد العائلة، وبين جماعات المجتمع، وبين الابن وأبيه، وبين البنت وأمها، فبالفعل هو زمن إنهاء هذه الخصومة، وكفى الجزائريين شرّ القتال.