الخطيئة الأصلية!
الأخ جمال.. لقد أجبت في آخر مقالك “فاصل نعود”، عن تساؤلك البريء عن المأزق الذي يحرمنا من “جمال بلادي” باستعمالك للعامية المصرية “حنتبهدل”.. بينما تكرهون العامية من خلال ما شنته يوميتكم من حرب دونكيشوتية عليها في المدة الأخيرة.
وقد نشرت جريدتكم الخبر التالي: “حتى الجزائريون قاطعوا العامية في المقاهي يا بن غبريط”.. وهذا ليس صحيحا بدليل أنني كنت مع مجموعة من الأساتذة والمفتشين المعربين جالسين في مقهى ولم نتكلم إلا بالعامية رغم أننا نتقن الفصحى، فكيف بالجزائريين الآخرين أن يفعلوا ذلك؟.. تناول “الشروق” لقضية اللغة بمزايدة شتم للآخرين، سوف ينعكس سلبا على القضية التي يدافعون عنها “الفصحى”.. فكيف تكرهون أهم مكون للجزائريين وهي لغته اليومية وفي نفس الوقت تتساءلون عن السبب الذي يحرمكم من “جمال بلاده”؟. مع العلم أنني جزائري معرب.
عبد الله بوساحية / مهندس وكاتب صحفي
.. والله يا أخي عبد الله، المشكل ليس في المقاطعة أو الممانعة، بقدر ما يكون، وأتمنى أن أكون مخطئا، في هذا التقليد الأعمى، الذي يحرّضنا أحيانا على الهروب من أصولنا وفصولنا، والبحث عن “البديل” بحجة التطوّر والحداثة، ولسان حالنا يردّد: “الجديد حبّو والقديم لا تفرّط فيه”!
أعتقد، أن اللغة، هي وسيلة للتواصل والاتصال، ولا علاقة لها بحلّ الأزمات وتطوير البلاد والعباد، والدليل ما وصلت إليه الكثير من البلدان، لا داعي لتسميتها، رغم أن لغتها الأمّ لا يتكلمها سوى شعبها، ولهجاتها لا يُمكن فهمها واستيعابها حتى باستخدام القواميس المهرّبة من سراديب الأوّلين!
الضجة والضجيج اللذان أفرزهما “قرار” أو “مشروع” أو “مقترح” إدخال الدارجة في التدريس، كانا وليدي الإيمان بالعربية كلغة بديلة، ولغة أم، ولغة حضارة، وقبل ذلك لغة قرآن.. والإشكالية دون شكّ، ليست في الدارجة، كأداة مخاطبة ومحادثة بين الجزائريين، ولكن في القدرة على تحويلها إلى “لغة” علوم وتكنولوجيا وتبادل خارج البلاد!
لقد “أجبرنا” الكثير من أشقائنا وأصدقائنا العرب على ترديد كلمات من “دارجتنا الجميلة”، مثلما نجحوا هم بالسينما والتجارة والسياحة على “تعليمنا” دارجتهم، والمشكل ليس هاهنا، بقدر ما هو في أهلية من على “غزو” الآخر بلهجاته، وأظن أننا لم نفلح في “تصدير” لهجاتنا الثرية والمتنوعة إليهم، بقدر ما أفلحوا في جرّنا إلى “استيراد” لهجاتهم التي يتداولونها في الشارع و”البزنس” والسياسة والإعلام والثقافة والمساجد، لكنهم لا يدرسون بها!