-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الخلافة الراشدة.. انطلاقة العالمية الإسلامية الأولى

صالح عوض
  • 2027
  • 0
الخلافة الراشدة.. انطلاقة العالمية الإسلامية الأولى

إنها الخلافة الراشدة التي خرجت بالمسلمين من حيز جغرافيا العرب إلى كل الجهات لتحمل الرسالة رحمة للعالمين وتحرر الشعوب من الاستعباد والشرك.. إنها الخلافة الراشدة التي انتهت لتوّها من حسم العقبة الأولى والتقدم بعد أن قضت على الردة ومحاولات الانفصال..

في الخلافة الراشدة تحرك أشخاص الجيل القرآني كل من موقع مسؤوليته وبحجم قدرته ودوره المناط به إلى تثبيت الخلافة، وإبراز قيمتها الأخلاقية والسياسية.. في الخلافة الراشدة كانت عصبية الايمان وعصبة الحق تلك التي يدور فيها قرار الحكم والقرار السياسي، كما وصفها الامام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عندما ردّ على أبي سفيان وهو يحرضه على التصدي لخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: “اخرج منها يا أبا سفيان إن المؤمنين للمؤمنين أولياء“..

وفي الخلافة الراشدة اتضحت معالم نظام سياسي غير معروف في بلاد العرب أو غير بلاد العرب..

وفي الخلافة الراشدة روعيت الحدود والأحكام والأصول فتجلت روعة القضاء، حيث كان المنصب الأعلى في الأمة وليس لأحدٍ الرد عليه.. وفي الخلافة الراشدة ترجمت توجيهات القرآن الكريم وتنبيهات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سلوك سياسي ليس فقط في حق المسلمين، حيث تم تعزيز حرية الرأي والنقد والتصحيح على أوسع نطاق، بل وأيضا في حق أهل الكتاب كأحسن ما يكون التعامل الانساني بين أبناء البلد والأمة، فوقعت المواثيق والمعاهدات مع نصارى نجران وصفرنيوس بطريرك القدس..

وفي الخلافة الراشدة النموذج الفريد في زهد الحاكم وتصميمه على نشر الاسلام والحكم بالقسط بين الناس.. وفي الخلافة الراشدة اكتشفنا أن كل رجل من عصبة الحق والجيل القرآني الفريد وصدر الاسلام إنما هو بمثابة إضافة حقيقية في ترجمة الاسلام إلى واقع بشري.. ومن جديد نكتشف أن عطاءات أشخاص الجيل القرآني المتنوعة صبّت جميعها في بوتقة واحدة من أجل إنجاح المهمات الاستراتيجية للخلافة.. وفي هذا الصدد من جديد نحاول القول ليس لأحد أن يتزيد على رجال تلك المرحلة التاريخية.


عمر وبناء الدولة ومؤسساتها

في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تمّ فتح القدس الشريف وذلك تتويجا لانتصارات مدوية.. وكان هذا الحدث فارقا استراتيجيا في مسيرة الأمة، لأنه يعبّر بوضوح عن تحمل الأمانة في حماية أصحاب الشرائع السابقة وأن يحتويها برحمته ووّده وأن يقيم معها أسس التعاون والتساند والحماية في أمة ترحب بالتعدد وتنظمه من أجل الصالح العام بلا طغيان أو حيف.. كان فتح القدس يعني الإحساس لدى المسلمين بأنهم في   أقدس الأماكن وأنهم أصبحوا يجمعون لهم كل المواقع المقدسةالمدينة ومكة والقدسوأن المساجد الثلاثة أصبحت محررة وبأيديهم..

إنه المسجد الأقصى الذي شهد لرسولهم صلى الله عليه وآله وسلم بإمامة البشرية جمعاء من خلال إمامته لكل الأنبياء والرسل.

كان فتح القدس فاصلة بين مرحلتين.. مرحلة محدودية الرسالة ومرحلة عالميتها لتشمل المسلمين وغيرهم بقانون إنساني أساسه الرحمة.. ولم يشغل أي مكان من اهتمام المسلمين ما شغله فتح بيت المقدس، حيث اجتمعمجلس شورى المسلمينللتشاور حول كيفية الفتح.. وأجمع الصحابة أن تفتح عنوة، فالتفت عمر رضي الله عنه نحو عليّ كرم الله وجهه فقال الامام كلمته: بل اذهب إليها وافتحها سلما.. لأن هذه فلسفة الإمام علي ما رأى طريقا للسلم إلا سلكه ولا يذهب للحرب إلا إذا أغلقت كل المنافذ.. وهو هنا يجدد رؤيته بأن الداخل يحتاج إلى سلم مستمر، فكما كان موقفه تجاه الخلافة، حيث حافظ على سلامة النواة المركزية فيها، فهاهو يحافظ من جديد على سلامة البنية الاجتماعية لأمةٍ لن تتوقف على المسلمين فحسب، فما كان ينبغي في نهجه أن يبدأ علاقته بالنصارى قتالا وهم من سيكون أحد مكونات الأمة.. فقال عمر: والله لأذهبن لفتحها سلما، ولئن سألني الله لم فعلت ذلك لأقولن بذلك أشار علي ابن عم نبيك صلى الله عليه وآله وسلم.

كانت مؤسسات الخلافة تبنى على أساس التحري للطهارة والعدالة والاستقامة في شتى الميادين: بيت المال والجند والعائلات المحتاجة وأبواب الصدقاتوسوى ذلك حيث وضع أسلوب الدواوين الذي نقله العرب المسلمون من بلاد فارس، وكانت هناك مؤسسة معروفة وإن لم تكن مرسمة بوضوح مؤسسة الشورى وهي مكونة من أهل بدر وكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، إنها مؤسسة أهل الحل والعقد.. وكانت مؤسسة القضاء هي تاج تلك المؤسّسات جميعا شاهدة على أن الخلافة دولة قانون، وكان وجود الامام علي كرم الله وجهه على رأسها أكبر ضمانة لبسط العدل وإقامة القسط..

وقدّم القضاء الاسلامي في تلك المرحلة أروع نموذج إنساني عبر التاريخ البشري يعتمد على العدل روحا ونصا.

في خلافة عمر اتضحت قيمة الرجال الكبار من صحابة رسول الله.. أولئك الذين أسسوا الدولة المتنامية بمؤسساتها وكرّسوا دورها التحرري، وشهدت الخلافة الراشدة دورا متميزا للإمام علي كرم الله وجهه في توجيهها وتصحيح مسارها كلما اختلطت الأمور، وكان رأيه ليس فقط محترما، بل أمرا واجب التنفيذ، ولقد عبّر عن ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله: “اللهم لا تجعلني في بلد ليس فيه أبو الحسن، ولقد تكرر قوله هذا بصيغ مختلفة حسب الروايات الصحيحة عشرات المرات التي تفيد المعنى نفسه.. وهنا يصبح التأكيد ضرورة بأن العلاقة بين أولئك الكبار فوق حسابات الصغار الأنانية التي تسيء لمن تعتقد أنها تنصره.

لقد كانت الخلافة الاسلامية المحاولة البشرية التي حازت شرط العدالة لتكون على نهج النبوة.. ونالت المكانة المرجعية في قلوب المؤمنين والمسلمين في كل تاريخنا الاسلامي، على اعتبار أنها خلفت رسول الله بالحكم بالإسلام.. وعلى اعتبار آخر مهم جدا أنها كانت تدار بكل الجيل القرآني.. الجيل الذي كان أول من آمن وأول من هاجر وأول من جاهد وأول من عاهد.. الجيل الذي عاش كل التحديات والتفّ حول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون سنده وعضده.. وفيها تجلت روح السمو والتعالي عن الحسابات الصغيرة إلى نموذج متميز..

من العبث أن نمرر الخلافة في وعي الناس على اعتبار أنها بأسماء الخلفاء فقط.. إن الخلافة أكبر من أشخاص الخلفاء.. إنها جيل قرآني تربى على يد محمد صلى الله عليه واله وسلم.. ولكل شخص في هذا الجيل دوره حسب وزنه ومستوى علمه وفطنته وقدرته في بناء الخلافة وحمايتها، وفي هذا كان الإمام علي كرم الله وجهه علم الهدى وراية متميزة.. ولذا كان كرم الله وجهه الوحيد من الجيل الأول ومن الخلفاء الراشدين يطلق عليه لقب الإمام.. والوحيد الذي يمدح بجملةكرم الله وجههوهذا التمييز بسبب مؤكد لتميزه علميا ومناقبيا ونسبا شريفا وقربا لرسول الله صل الله عليه واله وسلم.. وهو بكل قوته كان حاميا للخلافة ناصحا لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقائما بالقسط في قضاء أسس لحياة كريمة.

إن الأمة اليوم وهي تتصفح أوراق مجدها وعزتها في المجالات العديدة، لا تجد سوى الخلافة الراشدة التي أنجزها الجيل القرآني الفريد.. والأمة اليوم وهي تبحث عن منهج ومنطق لتحركها برسالتها للعالمين، لا تجد قدوة لها بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا الخلافة الراشدة التي تميزت بالعدل والنباهة والإقدام والإنسانية والإخلاص لدين الاسلام.

الخلافة الراشدة في مركزيتها، نواتها الجوهرية، المتمثلة في عصبة الإيمان وفي رسالتها تمثل العنوان الكبير لوحدة الأمة اليوم للتخلص من المواقف المشتتة التي فرقت الأمة، وبددت طاقتها وصنعت فيها الفرق والطوائف والأحزاب.. ووجب على كل غيور على الاسلام وعلى الأمة أن يدافع عنها ويعدد مزاياها ويذكر فضائلها ويقرأها في ضوء مواقف الرجال الكبار الذين صنعوها، وكيف أنهم رأوا في وحدتها أمرا مقدما عن أي أمر شخصي مهما بلغت قداسته..

 

سأواصل بحول الله وقوته تأمل الخلافة الراشدة على قاعدة إيماني بأنها عاصمة أمر المسلمين وموحدة صفهم.. تولانا الله برحمته.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!