الخُضرة والنار
من أروع الملاحم التي خطَّها الجزائريون في الموسم الحالي، تلك الحملات الخضراء التي هبّ فيها المواطنون من كلّ الأعمار، وبوازع حضاري وصحي، لغرس الملايين من الأشجار. ومن أروع اجتماعات مجلس الوزراء، أن يلتقي حاملو مختلف الحقائب الوزارية، من أجل اتخاذ إجراءات عملية، لإنقاذ هذا الأخضر الذي تحسدنا عليه الكثير من البلدان، وتتمنى بل وتسعى أخرى إلى أن يزول.
لقد أثبتت السنواتُ الأخيرة أننا دخلنا كابوس التغيرات المناخية الحادّة المتميزة بالحرارة الشديدة والتصحُّر والجفاف ونقص التساقط المطري حينا والفيضانات المدمِّرة حينا آخر، وهذا كلّه بسبب الاحتباس الحراري الذي يتزايد من سنة إلى أخرى، ولا تجد الأمم في التعامل مع هذا الواقع، سوى بعث مزيد من الأخضر، وما ورثناه من أجيال سابقة من أدغال، صار سجينًا بين النار والإسمنت وشيخوخة بعض الغابات.
وإذا كنا دائما نتوجَّس خيفة اتجاه مشاريع البنية التحتية، وحتى التي توصف بمشاريع القرن، خوفا من الإهمال وعدم المرافقة والمتابعة، ونذرف الدموع على الطرقات التي تتدهور حالتُها والسكنات المهدَّدة بالسقوط، وأرضياتِ ملاعب الكرة المعشوشبة طبيعيا، التي تتحول إلى مراعي للماشية، فإن غراسة الشجر، من دون سقي ولا تطعيم، ومن دون حماية من النيران، هو ألمٌ أكبر من ألم التصحُّر والجفاف، الذي طال أراضينا وبعض القلوب.
في كل أعمال صنّاع المحتوى العرب والأوروبيين والأمريكيين الذين زاروا الجزائر، وأطلوا من نوافذهم ومنصَّاتهم من مختلف المدن الجزائرية، كانت الطبيعة الخضراء للجزائر، هي أول ما يخطف الأنظار والقلوب، ولا غرابة في أن يترك صانع محتوى الجزائر العاصمة ووهران، ويتنقل إلى بجاية وجيجل وغيرهما من الولايات، ليتمتّع بمزيدٍ من مناظر الخضرة الساحرة، التي منّ بها الله على بلدنا القارة.
وعندما تغرِّد دكتورة فرنسية حطت رحالها بمدينة القل عن الجبال الخضراء وأدغال الغابات بإعجاب وذهول، وهي ابنة أوربا حيث أمام كل غابة، غابة، فإنه من واجبنا كما انخرطنا في حملات التشجير المليونية، أن ننخرط في برامج مجلس الوزراء، نحمي ما غرسناه من ألسنة النيران، وعيا وتحسيسا وعملا، ومن ألسنة السوء أيضا.
قليلون من يعلمون بأن فكرة السد الأخضر، التي كان من المفروض إنجاحها في سبعينيات القرن الماضي بحزام أمان أخضر، ينقل الشجرة من الشمال إلى الجنوب، ويمنع الرمال في رحلتها التصحُّرية من بلوغ الشمال، هي من أفكار فيلسوف الجزائر والعالم الإسلامي مالك بن نبي، الذي بقدر ما أعطى للفكر، منحه أيضا جرعة أكسجين من أخضر الطبيعة.
ومن جميل الصُّدف أن مجلس الوزراء أقرّ استحداث المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج، كهيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية، في خطوة لا جدال في أنها ستضع البلاد على سكة، ليس لها هدف، غير التنمية الشاملة في كل القطاعات، فتعطينا الأخضر في كل المجالات، وتمنع عنه وعنّا النار.