-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من 1500 دينار إلى التوزيع المجاني ببجاية

بعد أشهر الشح… لهذه الأسباب انهارت أسعار السردين

ع. تڤمونت
  • 283
  • 0
بعد أشهر الشح… لهذه الأسباب انهارت أسعار السردين
ح.م

شهد، هذه الأيام، الشريط الساحلي لولاية بجاية، الممتد من الميناء الرئيسي لعاصمة الولاية إلى ميناءي الصيد البحري في تالة إيلف وبني كسيلة، على غرار باقي موانئ الوطن، تحولا هيدرولوجيا وبيئيا لافتا، تمثل في استبدال حالة الشح الحاد التي استمرت لأشهر طويلة بتدفق استثنائي وكميات ضخمة من الأسماك السطحية الصغرى، وفي مقدمتها السردين والأنشوفة، حيث إن هذا التغير الفجائي والسريع في حجم التفريغ اليومي لقوارب الصيد يمثل، وفق المختصين، انعكاسا مباشرا لديناميكيات علمية وبيئية معقدة تحكم النظم الإيكولوجية المائية في حوض البحر الأبيض المتوسط، مما يستدعي تفكيك الآليات الفيزيائية والحيوية المسؤولة عن هذا التذبذب الحاد في المخزون السمكي.
فخلال الأشهر الماضية، سجلت المصايد البحرية تراجعا حادا في المردودية وسعة الصيد، نتيجة اضطرابات هيدرو ديناميكية متكررة وتغيرات حرارية طالت الطبقات المائية السطحية، مما أدى إلى تشتت أسراب الأسماك وغوصها نحو الأعماق، وقد انعكس هذا الشح سابقا على الأسواق الوطنية، حيث شهدت الأسعار الارتفاع الأكبر في تاريخها متجاوزة سقف 1200 إلى 1500 دينار جزائري للكيلوغرام الواحد، مما جعل السردين بعيد المنال عن العائلات ذات الدخل المتوسط والمحدود، وعلى الرغم من الأثر الاقتصادي السلبي لهذا الشح سابقا، إلا أنه أدى بيولوجيا دورا غير مباشر يشبه الراحة البيولوجية القسرية، حيث سمح تراجع الضغط الاحترافي بنمو الأجيال الحديثة من الأسماك واكتمال دورات فقس البيض، مما أرسى القواعد الأساسية للانفجار البيولوجي اللاحق.
وفي تفسير علمي دقيق لهذه الظاهرة، أوضح مختصون في علوم البحار والمحيطات أن الظهور المفاجئ لهذه الكميات الهائلة في هذه الفترة بالذات يعود إلى تضافر عوامل هيدرولوجية حاسمة، أبرزها ظاهرة الصعود المائي، إذ تتولد هذه الحركة المائية عندما تدفع الرياح الساحلية المياه السطحية الدافئة نحو البحر المفتوح، لتعوضها فورا مياه عميقة باردة وغنية بالمواد المغذية والأملاح الأساسية كالنيترات والفسفور، مما يحفز انقساما متسارعا للعوالق النباتية والحيوانية التي تمثل الغذاء المفضل للأسماك السطحية، كما يساهم المنحدر الحراري والتغير الفجائي في درجات حرارة الطبقات المائية في انحباس الأسراب داخل نطاق حراري ضيق وقريب من السطح، مما يدفعها للاحتشاد الجماعي في مساحات جغرافية محدودة سهلة الوصول بالنسبة للقوارب خلال دورة تكاثرها واقترابها من الشواطئ.
وأكد المختصون أن انهيار الأسعار الحاد لم يكن بسبب وفرة العرض واقتراب الأسماك من الساحل التي قللت مسافات الصيد واستهلاك الوقود فحسب، بل ارتبط أيضا بعوامل لوجستية، حيث إن طبيعة الأسماك السطحية سريعة التلف ومحدودية قدرات التبريد والتخزين السريع في الموانئ تُجبر الصيادين على تفريغ شحناتهم وبيعها فورا بأي سعر لتفادي تلفها، وهو ما كسر هيمنة الوسطاء والمضاربين وأعاد آليات السوق لقانون العرض والطلب المباشر.
ميدانيا، عبّر أحد الصيادين بميناء تالة إيلف عن ذهول المهنيين وسعادتهم الكبيرة بهذه الخيرات البحرية، مشيرا إلى أن قوارب الصيد أصبحت تعود محملة بأطنان من الأسماك بجهد وأوقات قياسية مقارنة بأشهر المعاناة الماضية، وأوضح صياد آخر بميناء بني كسيلة أن حجم الوفرة في بعض الأيام تجاوز الطاقة الاستيعابية للتسويق السريع، مما دفع العديد من البحارة والمهنيين إلى توزيع جزء من حصصهم السمكية مجانا على المواطنين والمارة في الموانئ كبادرة تضامن وتعبير عن الارتياح.
على صعيد المستهلكين، أبدى أحد المواطنين سروره البالغ بتراجع الأسعار إلى مستويات رمزية تراوحت بين 100 و200 دينار جزائري بعد طول انتظار، مؤكدا أن السردين عاد أخيرا ليكون في متناول الجميع وعنصرا أساسيا في المائدة اليومية للطبقات البسيطة، في حين شدد مواطن آخر على أهمية الحفاظ على هذا التوازن وتكثيف الرقابة على الأسواق لمنع الوسطاء والمضاربين من رفع الأسعار مجددا بعد خروجها من الموانئ، ضمانا لاستمرار هذه الوفرة واستفادة الجميع منها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!