-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حصاد عام من الإصلاح والإنجاز… الجزائر ترسم ملامح العهدة الجديدة

ساعد عروس
  • 432
  • 0
حصاد عام من الإصلاح والإنجاز… الجزائر ترسم ملامح العهدة الجديدة

عام يمضي من عمر الجزائر المتجددة… عام حمل في طياته زخم الإنجاز ووهج الإصلاح، عامٌ  منذ أن جدد الشعب الجزائري ثقته في الرئيس عبد المجيد تبون ذات السابع من سبتمبر 2024، عامٌ لم يكن مجرّد امتداد لعهدة انتخابية جديدة، بل منعطفًا سياسيًا رسم معالم مرحلة مختلفة في تاريخ الدولة الوطنية.

فقد تحوّل مشروع “الجزائر المنتصرة” من وعد انتخابي إلى رؤية عملية تنبض في مؤسسات الدولة، وتترجمها خطوات إصلاحية عميقة طالت التشريع والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية والمجتمع، لتؤكد أن الجزائر دخلت طورًا جديدًا من التحديث والتجديد.

على الصعيد التشريعي والسياسي، تميّز العام الأول من العهدة الثانية بمراجعات قانونية وتنظيمية أرست دعائم الشفافية والرقابة، وحولت مكافحة الفساد إلى ممارسة مؤسساتية لا رجعة فيها.

وفي المشهد السياسي، تكرّس الاستقرار كقاعدة لبناء الدولة الحديثة، فيما أُعيد فتح فضاءات أرحب للحوار والتشاور مع القوى الوطنية، وتوسعت فرص المشاركة للشباب والنساء داخل المؤسسات المنتخبة، بما منح الحياة السياسية نفسًا متجدّدًا وأفقًا أوسع.

أما على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فقد تسارعت وتيرة المشاريع الهيكلية الكبرى، في الطاقة والمناجم والفلاحة والبنية التحتية، بما يفتح الطريق نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز قدرته على الصمود أمام التحولات الدولية.

وفي الموازاة، جرى تكثيف البرامج الاجتماعية الموجهة لضمان العيش الكريم للمواطن، ليبقى البُعد الإنساني والاجتماعي حاضرًا في قلب السياسات العمومية.

وعلى صعيد الدبلوماسية، واصلت الجزائر حضورها الإقليمي والدولي من خلال إعادة هيكلة جهازها الدبلوماسي وتعيين سفراء وقناصل جدد، مع مواقف ثابتة  في المحافل الدولية،  مترجمة العقيدة الثابتة  إزاء القضية المركزية فلسطين، وحق تقرير المصير  في الصحراء الغربية و قضايا السلم العالمي، ورسّخت صورة الجزائر كفاعل لا يمكن تجاوزه في قضايا المنطقة والعالم.

وبهذا، جاءت السنة الأولى من العهدة الثانية سنة حصاد وتأسيس، جمعت بين ترسيخ الاستقرار، وبناء المؤسسات، وتعزيز العدالة الاجتماعية، واستعادة الزخم الدبلوماسي، لتفتح أمام الجزائر أفقًا جديدًا يُعيد رسم ملامحها كدولة صاعدة بثقة وثبات، قادرة على الجمع بين الطموح الواقعي والرؤية الاستراتيجية، بين أصالة التاريخ وتطلعات المستقبل. إنها سنة أولى، لكنها كانت بحجم عقد كامل من الإصلاحات، سنة أسست لأرضية صلبة ترتكز عليها الجزائر في نهضتها الجديدة.

الثورة التشريعية: قوانين ترسخ الحوكمة وتدعم الحقوق

اختار الرئيس تبون أن يجعل من الإصلاح التشريعي حجر الزاوية في مسار التجديد الوطني،  فامتدت هذه الثورة القانونية لتشمل مجالات المالية والجباية، مكافحة الفساد وتبييض الأموال، المناجم، العدالة، البيئة، العمل، الأوقاف، فضلًا عن تعزيز حقوق المرأة عبر تمديد عطلة الأمومة، وتكييف أنظمة التقاعد بما أنصف عمال التربية، مع سن قانون التعبئة العامة كآلية قانونية لتسخير الطاقات البشرية والمادية عند الضرورة، في خطوة تعزز منظومة الأمن الوطني الشامل وتضمن جاهزية الدولة لمواجهة الأزمات والتحديات غير المتوقعة، والإفراج عن القوانين الأساسية لمهنيي التربية والصحة والتي كانت دعامات ضمان وتحفيز… بهذا النفس الإصلاحي، شكلت هذه النصوص وغيرها، آلية عملية لإرساء دولة حديثة، أساسها الحوكمة الرشيدة والشفافية وسيادة القانون.

ومن أبرز ما كرّسه الرئيس تبون في هذا السياق، ترسيخه لتقليد الخطاب السنوي أمام البرلمان بغرفتيه نهاية كل عام، وهو تقليد ذو دلالات عميقة، فهو يجسد فضيلة المصارحة المباشرة، ويعزز مكانة البرلمان كحلقة وصل وشريك أساسي في المنظومة المؤسسية، ويمنح الحياة السياسية نَفَسًا جديدًا من الشفافية والتوازن بين السلطات.

اقتصاد يبني ركائز النهضة… من المناجم إلى الأمن الغذائ:

أما في الاقتصاد، فقد انفتح المشهد على مشاريع استراتيجية كبرى، تؤشر إلى انتقال الجزائر من منطق الاكتفاء بالريع إلى أفق تنويع الموارد وصناعة القيمة المضافة.

فمشروع غار جبيلات دخل حيّز الإنجاز كأحد أكبر المناجم في العالم، فاتحًا آفاقًا جديدة للصناعة الوطنية.

وفي ملف الأمن المائي، يجري تعميم محطات تحلية مياه البحر وربطها بشبكات التوزيع نحو المدن الداخلية، في خطوة جعلت من الماء خيارًا سياديًا لا يقبل الارتهان للظروف الطبيعية. وعلى خط الفلاحة، توسعت الزراعات الصحراوية لتكون رافعة لخلق الثروة، فحققت الجزائر قفزة في إنتاج القمح الصلب.

أما الشراكات النوعية في قطاع الفلاحة، فتمثلت في إطلاق مشروع ضخم مع قطر لإنتاج مسحوق الحليب وتربية الأبقار وزراعة الأعلاف، بما يعزز الأمن الغذائي ويضع اللبنات لصناعة تحويلية متكاملة. ومع الإيطاليين، فتحت الجزائر صفحة جديدة في مجال التعاون لإنتاج وتسويق المنتجات الفلاحية ذات الجودة العالية نحو الأسواق الأوروبية. كما وُقّعت شراكات استراتيجية أخرى في مجالات الطاقة والتعدين والبتروكيمياء والصناعات الميكانيكية، مقرونة بنقل وتوطين التكنولوجيا، بما يجعل الاستثمار أداة لنقل المعرفة لا مجرد استجلاب للرساميل، فمثل هذه المشاريع تمثل، في جوهرها، إعلانًا عن جزائر تبني اقتصادها بيدها، وتنفتح على الشراكة الندية والمتوازنة.

العيش الكريم… المواطن في قلب الرؤية الاجتماعية

اجتماعيًا، ظل المواطن في صميم أولويات الدولة، إذ تسلّمت مئات الآلاف من العائلات مفاتيح مساكنها من مختلف الصيغ، في أكبر عملية إسكان تشهدها البلاد منذ الاستقلال، مؤكدة أن السكن ليس امتيازًا بل حق تكفله الدولة… وفي هذا السياق، شكّل إطلاق برنامج عدل 3 محطة فارقة، باعتباره تجربة رائدة أثبتت نجاعتها في معالجة ملف السكن وامتصاص الطلب المتزايد، من خلال مقاربة جمعت بين البعد الاجتماعي الذي يضمن الكرامة للمواطن، والبعد الاقتصادي الذي يحرك عجلة البناء ويخلق مناصب شغل ويدفع بعشرات المؤسسات الوطنية نحو النمو.

كما واصلت الجزائر تعزيز منظومتها الصحية بخطوات واثقة، من خلال توسيع الخارطة الصحية بإنشاء وتجهيز مستشفيات ومراكز متخصصة عبر ولايات عدة، وتزويدها بأحدث التجهيزات الطبية المتطورة، إلى جانب فتح مناصب جديدة لتأطير الكوادر الطبية وشبه الطبية، وقد شكّل هذا التوجه دعامة أساسية لتحسين التكفل بالمرضى وتقريب الخدمات من المواطن، مع التركيز على رفع مستوى العلاج والوقاية، بما يعكس حرص الدولة على جعل الحق في الصحة واقعا ملموسا لجميع الجزائريين، مع إيلاء عناية خاصة للمناطق النائية والجنوبية.

وبرزت الصناعة الصيدلانية كأحد أعمدة التنمية الوطنية، حيث حققت قفزة نوعية في توطين الإنتاج وتوسيع قدراتها لتغطية حاجيات السوق المحلي بأكثر من 70 بالمائة من الأدوية الأساسية، ولم يعد الحديث عن الأمن الدوائي مجرد شعار، بل أصبح حقيقة تُترجمها مصانع حديثة وشراكات استراتيجية، تواكب المعايير العالمية وتستجيب للتحديات الصحية. فتحوّل هذا القطاع إلى رافعة للسيادة الوطنية، باعتباره خط الدفاع الأول لضمان الاستقلالية الصحية، وحماية البلاد من تقلبات السوق الدولية وضغوطها، مجسّدًا إرادة الدولة في بناء صناعة دوائية قوية ومستدامة، تؤمّن للمواطن الحق في العلاج وتدعم مكانة الجزائر كقطب إقليمي واعد.

أما في قطاع التربية والتعليم العالي، فقد وُضعت برامج لتحسين ظروف التعليم من خلال توسيع الهياكل التربوية وتحديث المناهج، إلى جانب رفع مستوى التأطير البيداغوجي. وفي الجامعة الجزائرية، تعززت الجسور مع كبريات الجامعات العالمية عبر شراكات علمية وأكاديمية.

ولم تُغفل الدولة واجبها في رعاية الفئات الهشّة وضمان العيش الكريم لكل مواطن. فقد رُفعت المنح الاجتماعية ورواتب المتقاعدين، وتم توسيع برامج الدعم لذوي الاحتياجات الخاصة والأسر المعوزة، لتبقى العدالة الاجتماعية حجر الزاوية في رؤية الجزائر الجديدة.

ثقافة وهوية منفتحة على العصر

ولم تغب الثقافة والهوية عن الأجندة. فقد أطلقت برامج لترميم المعالم التاريخية وصون الذاكرة الوطنية، في الوقت الذي انفتحت فيه الجامعة الجزائرية على شراكات أكاديمية دولية، وعُزز التوجه العلمي نحو ميادين الذكاء الاصطناعي والرقمنة والطاقة النظيفة والفلاحة الذكية.

وهكذا توازى التمسك بالهوية مع الانفتاح على العصر، فكانت الثقافة والعلم معًا جناحين لمشروع الدولة الحديثة.

الجزائر الدبلوماسية… صوت المظلومين ومفاتيح التوازن

على صعيد الدبلوماسية، ارتفع الصوت الجزائري عاليًا في عالم يضج بالأزمات، إذ بقيت الجزائر وفيةً لمواقفها التاريخية، فجعلت من فلسطين قضيتها المركزية، ومنحتها في المحافل الدولية نصيب الأسد من حضورها. ومع عضويتها الحالية في مجلس الأمن، تحولت الجزائر إلى منبر تكشف فيه بلا مواربة ما يقترفه الاحتلال الصهيوني من جرائم ضد الشعب الفلسطيني، لتضع العالم أمام مسؤوليته.

كما واصلت الجزائر دفاعها عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، مؤكدة أن العدالة لا تتجزأ.

إفريقيًا، عززت مشاريع الربط الطرقي والغازي مع نيجيريا، واحتضنت معرض التجارة الإفريقية البينية لتكون جسرًا بين شعوب القارة.

أما مع أوروبا وآسيا والأمريكيتين، فقد عمّقت شراكاتها في الطاقة والاقتصاد الأخضر والصناعات المستقبلية، لتصبح لاعبًا استراتيجيًا في الأمن الطاقوي العالمي.

جيش وقيادة… وحدة مشروع وركيزة سيادة

ولعلّ أبرز ما يميز هذه المرحلة هو التناغم بين رؤية رئيس الجمهورية والدور الوطني للجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير، الذي يشكّل الدعامة الصلبة لمسار الدولة وضمانة استقرارها وأمنها. إنها توليفة تنصهر فيها القيادة السياسية مع المؤسسة العسكرية في مشروع واحد، هدفه حماية السيادة الوطنية ورعاية مسار التنمية الشاملة.

خاتمة: عام أول يفتح أبواب المستقبل

عام تبون الأول بعد التجديد لم يكن مجرد حصيلة أرقام ومشاريع، بل لوحة وطنية متكاملة الألوان: سياسة أعادت الثقة بين الدولة ومواطنيها، واقتصاد فتح أبواب الآفاق، ومجتمع يزداد تماسكًا وحضورًا، وثقافة تنبض بروح متجددة، وأمنٌ يرسّخ الطمأنينة، ودبلوماسية تعيد للوطن صوته العميق في المحافل. وهكذا، تعود الجزائر بثبات إلى موقعها الطبيعي: صوتٌ مسموع وقوة سيادية في عالم مضطرب.

*رئيس كتلة الثلث الرئاسي بمجلس الامة

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!