الرأي

الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي.. كبيرٌ من كبرائنا

لمباركية نوّار
  • 321
  • 0

حُقَّ لنا أن نردّد في حزن وحرج، وبصوت أجشّ متهدِّج، ونغمة حزينة ولسان متلعثم راجح التثاقل، في يوم فقدان الدّكتور أحمد طالب الإبراهيمي قول القائل: (لو يردّك دمع، سيّلنا لك بحر). وأضيف نسجا على منوال نسيجه بعد تجاوز قيود الوزن: (وبكيناك حتى تحمّر مآقينا، وتحفر العَبرات أخاديد غائرة ومتورّمة على خدودنا). إلاّ أن الدّمع حتى وإن سفحناه جاريا كمياه الينابيع، وسكبناه غزيرا ومدرارا، فقد يطفئ لوعات الفراق ويخفف لظاها، ولكنه لن يغير شيئا في مشيئة الله.

شكّلت جنازة الفقيد التي جاءها المشيّعون أفرادا وأفواجا، وبأعداد غفيرة في لحظات دفنه، شكّلت صورة بديعة عن شخصيته المتوارية، وعكست مقدار الاحترام الذي يكنّه له أبناءُ وطنه من كل الطبقات والمستويات. ودلّ اجتماعهم حول نعشه في يوم توديعه على أنه عاش عيشة رجل جمع وتوفيق بين مختلف التيارات الفكرية والاتجاهات السياسية، ومثّل نقطة تقاطع بينهم. لا لشيء إلا لأنه عاشرهم جميعا بأخلاقه الراقية المتحرّرة. وجعل من حلاوة اللّسان ولطف المعشر وعذوبة الكلمات جواز سفر ناعم للتسلُّل إلى قلوبهم واحدا واحدا وبلا تعب ولا نصب.

بعبارات منتقاة وجمل موزونة، عزّاه إخوانه، وخاصة مجايلوه، وامتدحوا خصاله بعفوية وصدق لا تبطلهما المجاملات الخادعة. وبعد استماعي إليها، قرّت في أذني قولة أحدهم ممن أعرف أنه لا يداري ولا يماري، فحواها: (إن الفقيد كبيرٌ من كبرائنا…). وهو اعتراف إكبار وإجلال لا يمكن أن يلقى مجرَّدا من الدراية وعاريا من رداء الصدق، فالتقطت هذه العبارة المعبّرة وجعلتها عنوانا لهذه المرثية المتواضعة.

إن الشيء من معدنه لا يُستغرب؛ فالفقيد العزيز منفلق من أرومة عطرة النسب وكريمة الحسب، شروشها ضاربة في عمق تربة الجزائر الطاهرة. وهو قادمٌ من ناحية في قطرنا الحبيب معروفة برجالاتها الأماجد وعلمائها العظام. ومشيجته بشيرية قحّة ومهجته إبراهيمية نقية، ومن لا يعرف والده الشيخ الوقور محمد البشير الإبراهيمي صاحب الهمة العالية إذا تعلق الأمر بالوطنية الخالصة؟. ومن ينكر ارتفاع كعبه وعلوّ فصاحة لسانه في مضمار اللغة العربية كتابة وخطابة، وتدقيقا وترقيقا، ونسجا وسجعا، ونثرا وشعرا؟. ومن يجهل ذلك، فقد غرب عن حجاه شطرٌ من تاريخ الجزائر الحركي النهضوي والثقافي في العهود القريبة.

جاء الابن أحمد نسخة مطابقة لوالده محمد البشير من حيث وفرة العلم وسعة الإطلاع والدفء الإنساني. واقتفى آثار أقدامه في التشبُّع بقيم الوطن والذود عن حماها في شدة وبأس في السراء والضراء وحين البأس. ورغم تمكُّنه من ثقافة الآخر وتحكُّمه في لسانه المغاير إلا أنه لم ينسلخ، ولم يبدِّل، ولم ينمسخ، ولم يفترسه التغريب، ولم يرضَ بالتهجين من بعد استبدال الذي هو خيرٌ بالذي هو أدنى. واستطاع أن يجعل من نفسه قدوة ملتزمة بالرصانة والوضوح تليق للتأسِّي والاحتذاء من قبل الأجيال.

لا أرى معارضا يرفض أن يكتب اسم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي على صفحة رقيم عظماء الجزائر. ومثلما يُعترف له أنه كان له في العلم باع وفي الكتابة يراع، فإنه خدم قضايا وطنه وأمته منذ أيام يفاعته بكل حب ومسؤولية، وارتضى لنفسه ظلمات السجون ووحشتها من أجل إخوانه وأبناء وطنه، ولم يبثّ ألما.

لا تنبع مكانة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي من نضاله أثناء الثورة التحريرية، وصبره على أذى الجلَّاد الذي لم يرحم شبابه ونعومة جلده فقط، وإنما تنبثق، أيضا، من الخدمات التي قدَّمها للوطن في زمن الاستقلال. وإن تعدّدت المسارات التي شقَّ عبابها، وتباعدت، إلا أنه ترك في كل ساحة أثرا لا ينمحي يدل على عبقريته ويصدح بالتزامه وإخلاصه.

ولما تولّى وزارة التربية الوطنية في النصف الثاني من العقد السابع في القرن الماضي اجتهد في فرض التعريب في المدرسة الابتدائية الموروثة عن المدرسة التي خلّفها المستعمِر، وضمّ إلى المناهج التعليمية دراسة مادتي التاريخ والتربية الخلقية؛ لأنه كان واثقا أن كرع لباء عناصر الشخصية الوطنية يشبه لبن الأم الذي لا يكون مجديا إلا في المراحل الأولى من العمر، ويقلُّ نفعه إذا شُرب متأخرا. وتستحق تجربته في هذا المجال الذي تنبني عليه أركان الوطن وعراصه في حاضرها ومستقبلها إلى وقفات دراسية تضع أعماله وآثاره تحت مجهر الدراسة والتحليل حتى تخلَّد كمرجع تتزوَّد منه منظومتنا التربوية.

وفي المجال الإعلامي، مثّل الفقيد مدرسة فريدة في التخاطب والتواصل، وأنشأ في عهده المجلات التي تعين على التثقيف والمثاقفة قبل أن تكون وسائط اتصال. وعلا نجمه أكثر في الديبلوماسية بفضل هدوئه ورزانته وابتعاده عن الانفعال وردود الأفعال الارتكاسية. ومثلما كان هادئا؛ فإنه ظل صلبا في مواقفه للدفاع عن الجزائر في كل المحافل بكل قوة واتِّزان، وخاصة في أزمنة التحديات والمناكفات. واستطاع أن يصنع لنفسه مكانة كمفكر وصاحب مشروع يدافع عن قضايا الشعوب المقهورة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ويتصدى للطغيان الدولي الشرسّ. وهو في هذا الموقع الذي شغل وقته كلّه، لم ينس الالتفات إلى مشكلات وطنه الداخلية التي تشكو منها الطبقة الكادحة. وكان همّه مركوزا في تثبيت قواعد الفئة الشعبية الوسطى وتوسيع رقعتها.

لم يهدر الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وقته في طور تقاعده، واستغلّه في كتابة مذكراته التي وضعها في أربعة أجزاء وفي عدة مئات من الصفحات، ورأى أن يمنحها عنوانا أسقط منه كل تعريف محدد، وأراده أن يكون نكرة: ”مذكرات جزائري“ استغراقا في التعميم. ويعني ذلك أنه أنكر ذاته في سطورها، وحرّرها من قيود التخصيص التي تُبرز الأنا، وقد تضخِّمه. واستقبل القراء المهتمّون هذه المذكرات بحفاوة. ومن قرأها يقف على حقيقة واضحة مؤداها أن كاتبها لم يستغلّ فقراتها في تصفية الحسابات مع الآخرين كما فعل الكثيرون ممن كتبوا مذكراتهم. وفي مواقف انتقاده الموضوعية، لم يكن يهمّه الأشخاص متى ما أساؤوا أو انحرفوا، وإنما تستوقفه التصرّفات والأفعال والسلوكات. وكان يجتبي كلماته حتى لا يقع في مطبَّات التجريح والطعن ومساوئ التشخيص الذي يقزّم الأفكار.

جاء الابن أحمد نسخة مطابقة لوالده محمد البشير من حيث وفرة العلم وسعة الإطلاع والدفء الإنساني. واقتفى آثار أقدامه في التشبُّع بقيم الوطن والذود عن حماها في شدة وبأس في السراء والضراء وحين البأس. ورغم تمكُّنه من ثقافة الآخر وتحكُّمه في لسانه المغاير إلا أنه لم ينسلخ، ولم يبدِّل، ولم ينمسخ، ولم يفترسه التغريب، ولم يرضَ بالتهجين من بعد استبدال الذي هو خيرٌ بالذي هو أدنى. واستطاع أن يجعل من نفسه قدوة ملتزمة بالرصانة والوضوح تليق للتأسِّي والاحتذاء من قبل الأجيال.

لم تتحلَّ مذكرات الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي بمظهر استرجاع الذكريات وسردها بلغة منزوعة الروح، وإنما كانت شهادات حية تنطق بالدقة وتزخر بالتفاصيل، وهي أشبه ما تكون بكتاب تاريخي صيغ من بعد المعاينة المباشرة. واعتقد أنها ستكون واحدا من الموارد المدوَّنة التي سيعود إليها المؤرّخون في وقت لاحق. وفي نظري غير الملزِم، فإن المكتبة التي تخلو من هذه المذكِّرات هي مكتبة فقيرة.

ما يشدُّ الانتباه في شخصية الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي هو أنه مفكّرٌ متحرر ومنسجم مع قناعاته، ولا يؤمن بالإمعية. وقد تيقنت من ذلك في موقفين وقفهما، أولهما يخص الروائي ألبير كامو الذي خالف معه الرأي المزعوم الذي يرى أنه قدّم إضافة نوعية للثقافة الجزائرية خاصة بعد حصوله على جائزة “نوبل” للأدب. وثانيهما استحضره من سجال خفيف في برنامج “شاهد على العصر” الذي يقدِّمه الصِّحافي أحمد منصور في قناة “الجزيرة” القطرية، فكم أراد هذا الصحافي المعروف بأسلوبه الاستفزازي لاستدرار كل ما في جعب محاوريه أن يقلِّل أمامه من مخرجات مؤتمر الصومام الذي عُقد في 20 أوت 1956، إلا أن الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، جمع أنفاسه، وراح يفنِّد أمامه إدِّعاءات الطاعنين في هذا المؤتمر والمقلّلين من قيمة لوائحه.

منذ عهد بعيد، بقيت عينا الدكتور الإبراهيمي مفتوحتين على قضيتين هما: الجزائر والأجيال الصاعدة. وظل يوصي بالجزائر حبا وتعلقا وإخلاصا في خدمتها. كما كان يحث الأجيال على مواصلة العمل في تفان حتى يصبح وجه الجزائر مطابقا لأهمّ الأهداف المرصودة في بيان أول نوفمبر 1954.

لم يقدَّر لي الالتقاء بالدكتور أحمد طالب الإبراهيمي سوى مرة واحدة في مدينتنا وعلى عجل. ولما توفيت حليلتُه قبل سنوات، استطعت الحصول على رقم هاتفه، وكلّمته معزّيا بعد أن قدّمتُ له نفسي. وأسمعني من جانبه كلمات شكر ودعاءً. رحم الله الفقيد الأنيق في مظهره والرشيق في فكره والدقيق في كلامه، وأنعم عليه بالجنة.

مقالات ذات صلة