الرأي

الدهشة التي تُغير العالم وتصنع الحياة

إن العالم والحياة الواقعية يمكن تشبيهها بخزانة أسرار كبيرة ومتسعة، قد نفتح دفتيها كل يوم دون أن نلتفت إلى تلك الأسرار التي بداخلها أو أن نكلف أنفسنا عناء محاولة فك شفرتها والتعرف على ما تخفيه من حقائق، بفعل الاعتياد والألفة وتلاشي الرغبة في المعرفة والبحث، وهذا كله نتاج انطفاء الدهشة فينا؛ فالدهشة وحدها ما تدفعنا إلى اعتلاء صهوة الاكتشاف وطرح الأسئلة الحادة التي تنغرز في العمق لا السطح، والنظر إلى ما وراء الأكمة بعين ثالثة حالمة، حتى تنبت لنا أجنحة تمكننا من التحليق خلف أفق المألوف وتتيح لنا تجاوز صنمية السائد.
وهذا الانطفاء، في جزء منه، هو في الحقيقة موت للإنسان، فمن يفقد هذه الملكة هو كائن ميت لا تُرتجى له أي استفاقة من الأوهام والمسلمات والمعلومات والاعتقادات التي ألفها وتحجرت في وعيه إلى حد تقديسها، فصار بفعل ذلك متعودا على العالم كما عرفه لأول مرة، لا يندهش سوى أمام الأحداث الكبرى والوقائع الآنية والظرفية التي سرعان ما يَخْبُ وهجها في الإعلام أو الفضاء العام، ليرجع كما كان أولا، وينغمس في يقينه ومسلماته وخموله الفكري ، شعاره المقدس “اعتنق ولا تفكر ولا تناقش”، لأن العالم أو الحياة، في اعتقاده، ما هي إلا ظواهر اعتيادية تسري نواميسها بشكل ميكانيكي مضبوط ولا حاجة للتأمل أو الإمعان في إيجاد تفاسير مقنعة، وهذا اعتراف، غير صريح، بجهل مركب بالحياة والواقع الذي نحياه، وعجز فاضح عن استكناه جوهر الأشياء والظواهر والوقائع والحقائق والأسرار الكثيرة التي يحفل بها الوجود، وجثو على الركاب أمام الحقائق البديلة التي يختلقها صناع القرار ومن تتجمع بأيديهم القدرة على إنتاج الأفكار.
إننا لولا الدهشة لما وصلنا اليوم إلى كل هذه الاختراعات والنظريات والمعارف في شتى الحقول والميادين، حتى تلك المتعلقة بالنفس الإنسانية في حد ذاتها، وهذا لم يتأت لولا أولئك الصنف من الناس الذين يحاولون دوما التفكير في اللامفكر فيه، والخروج عن دائرة الاعتياد والحقائق الرخامية غير القابلة للزحزحة، والتأمل في باطن الأشياء والظواهر دون الاكتفاء بما يتبدى في ظاهرها؛ مثلما حدث مثلا مع الفيزيائي الإنجليزي “إسحاق نيوتن”، الذي لم يغره أكل التفاحة التي سقطت على رأسه، بقدر ما أغرته الكثير من الأسئلة التي احتشدت في رأسه، من قبيل لماذا لم تصعد التفاحة إلى فوق بدلا عن سقوطها إلى تحت؛ وفي نهاية المطاف، فقد أدى اشتغاله على هذه الظاهرة والتفكير والتمعن فيها إلى اكتشاف قانون الجاذبية المعروف اليوم باسمه.

إننا لولا الدهشة لما وصلنا اليوم إلى كل هذه الاختراعات والنظريات والمعارف في شتى الحقول والميادين، حتى تلك المتعلقة بالنفس الإنسانية في حد ذاتها، وهذا لم يتأت لولا أولئك الصنف من الناس الذين يحاولون دوما التفكير في اللامفكر فيه، والخروج عن دائرة الاعتياد والحقائق الرخامية غير القابلة للزحزحة، والتأمل في باطن الأشياء والظواهر دون الاكتفاء بما يتبدى في ظاهرها؛

وبالمثل فعل العالم اليوناني المتحاقل “أرخميدس” مع قانون”الانغمار” أو قانون الطفو الذي يعد أساس ميكانيكا الموائع اليوم، والذي اكتشفه حينما كان في مغطس الحمام؛ حيث لاحظ أن كمية الماء التي اندفعت من حافة الحوض عندما دخله يساوي وزن جسمه تماما، وقد أدرك في تلك اللحظة أن وزن الماء الذي خرج مساوٍ لوزن جسمه، فأسرع إلى القفز من الحوض عاريا وهو يصرخ بأعلى صوته “يوريكا”..”يوريكا”، والتي تعني باللغة اليونانية “لقد وجدته، لقد وجدته”، مكتشفا بذلك قانونه الفيزيائي الذي ذكرناه، والذي يميل البعض إلى تسميته بـ”دافعية أرخميدس” ويعتمد عليه في هندسة وصناعة الغواصات.
والأمر نفسه مع العالم والمخترع الأندلسي “عباس ابن فرناس” في قصة محاولته للطيران التي لاحت شرارتها الأولى في ذهنه، متعجبا من قدرة الطيور على التحليق على خلاف بني الإنسان، وما هي إلا مدة قبل أن يهديه الآي القرآني الكريم إلى كون السر في أجنحة الطيور التي تمكنها من التحليق والثبات في الجو، فراح يشتغل على صناعة أجنحة أو آلة للإنسان تجعله يطير ويحلق، ليحوز بذلك قصب السبق في اكتشاف مبدأ الطيران.
وهذه الأسماء التي ذكرناها، ما هي إلا عينة صغيرة من عدد كبير من العلماء والفلاسفة والمفكرين، ممن كان القاسم المشترك بينهم هو توهج الدهشة لديهم بشكل لا يقاوم وجارف إزاء ما يصادفهم أو ما يعيشونه في حياتهم اليومية، فيخلصوا بناء عليها إلى تحقيق إنجازات واكتشافات ومبادئ غير مسبوقة.
إن قدرة الإنسان على الاندهاش، على قولة عبد الغفار مكاوي، هي “قدرته على الاحتفاظ ببراءته وحريته، إنها قدرته على البقاء إنسانا، طالما بقي في استطاعته أن يسأل من هو الإنسان؟ إن دهشته نابعة من علمه بتناهيه، من إحساسه بوجوده المحدود، الإله لا يندهش؛ لأنه يعرف كل شيء ويحيط بكل شيء، والحيوان لا يندهش، فليس في حاجة إلى الدهشة لأن الشوق إلى المعرفة الحَقَّة لا يقلقه”.
إننا جميعنا عندما نولد ونخرج للعالم لأول مرة، نولد مدفوعين بدهشة غير محدودة، تؤزنا أزًا لنعرف ونكتشف الموجودات وما يحيط بنا من أشياء، دون أن نلقي بالا للأخطار المحتملة أو العواقب المترتبة عن ذلك، لكن هذه القوة الدافعة السامية، سرعان ما يخبُ وهجها تدريجيا بفعل الأسرة والمدرسة والشارع والإعلام، ولا يخرج من رِبقة هذا الاعتياد والانقياد والخمول الفكري سوى صفوة من الذين يحاولون دوما أن يتسلقوا شجرة الفاكهة المحرمة (التفكير)، ليأكلوا الثمرات على بساط من الراحة التي تشيع في دواخلهم وتتوهج، رغم العناء الذي يتكبدونه من أجل تحصيل المعارف والإحاطة بالألغاز والأسرار التي تتناسل في الحياة بشكل أُسي، على عكس أولئك الذين لا يمارسون التأمل والتفكير النقدي ولا يمتشقون دروب السؤال، حتى يصدق فيهم قول الشاعر أبي الطيب المتنبي، رحمه الله:
ذوالعقلِ يشقى في النعيمِ بعقلِه
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ

مقالات ذات صلة