الدوبارة البسكرية تفرض نفسها خارج حدود الزيبان
فرضت الدوبارة البسكرية نفسها بقوة على موائد رمضان بمختلف ولايات الوطن، وانتزعت مكانة متقدمة وسط الأطباق الرمضانية التقليدية، إلى درجة جعلتها عند كثيرين المنافس الأبرز لشربة الفريك والحريرة، اللتين ظلتا لعقود سيدتي المائدة الرمضانية بلا منازع.
فمنذ حلول الشهر الفضيل، تغيّر المشهد الغذائي في عديد المناطق، وبدأت روائح الحمص والفول والتوابل الحارة تزاحم عبق الفريك الأحمر في الأزقة والأحياء.
وتعد مطاعم سطيف، عينة من اجتياح هذه الأكلة الشعبية القادمة من بسكرة بعد أن شدّ أهل الاختصاص الرحال شمالاً، حاملين معهم سرّ الدوبارة وأسلوبها الخاص في التحضير والتقديم. وتمكن هؤلاء، بمهارتهم وخبرتهم، من استمالة أذواق السطايفية، الذين وجدوا في الدوبارة طبقاً دافئاً يشبع الحواس قبل المعدة، ويكسر روتين المائدة الرمضانية المعتاد.
فكثير من المطاعم هنا بسطيف غيرت نشاطها مؤقتاً مع دخول رمضان، وخصصت جلّ طاقتها لتحضير الدوبارة البسكرية، بعد أن ارتفع الطلب عليها بشكل لافت. ومع اقتراب موعد الإفطار، تتوافد الجموع لاقتناء هذا الطبق، الذي يُوزّع في أكياس وأوانٍ خاصة، ليكون طبق الافتتاح لدى عائلات كثيرة. ولم يعد المشهد يقتصر على طوابير الانتظار، بل تطور في بعض المحلات إلى نظام حجز مسبق، خوفاً من نفاد الكمية قبل موعد الأذان.
في أحد مطاعم حي 300 مسكن بعاصمة الهضاب، يؤكد صاحب المحل أن الإقبال فاق كل التوقعات، مشيراً إلى أن الزبائن يأتون من مختلف الأحياء والبلديات وحتى الولايات، وبعضهم اعتاد اقتناء الدوبارة يومياً طيلة الشهر. ويضيف أن سرّ النجاح يكمن في احترام الوصفة الأصلية، حيث تعتمد الدوبارة على مكونات طبيعية لا تُطهى إلا في حدود ضيقة، باستثناء الحمص والفول، بينما تُحضّر بتوابل بسكرية خاصة تمنحها نكهتها المميزة، وهي أسرار مهنة يتوارثها أهل الاختصاص جيلاً بعد جيل.
ولا تتوقف جاذبية الدوبارة عند الطعم فقط، بل تمتد إلى طريقة تقديمها، التي تحرص على لمسة فنية تقليدية، إذ تُعرض في أطباق مستوحاة من التراث، وتُزيّن بالفلفل الحار والدبشة ومختلف التوابل الحية، وتُقدّم مرفقة بالبُوراك والقلة الطينية، في مشهد يعيد للذاكرة نكهة الأصالة ويشبع شغف الذوّاقة.
وفي المقابل، لا تزال شربة الفريك السطايفية تحتفظ بمكانتها الرمزية، إذ يؤكد العارفون بميدان الحبوب أن الفريك الذي تشتهر به منطقة سطيف يُعدّ من الأجود وطنياً، بفضل نضارته وصفائه وذوقه الرفيع. ويجمع كثيرون على أن مائدة رمضان لا تكتمل دون شربة الفريك الحمراء، التي تسحر العيون قبل أن تُسيل لعاب الصائمين، وتبقى عند فئة واسعة الطبق الثابت الذي لا يُستغنى عنه.
وبين الدوبارة القادمة بقوة من الجنوب، وشربة الفريك المتجذرة في ذاكرة المكان، تعيش موائد رمضان بسطيف تنوعاً لافتاً، يعكس انفتاح الذوق المحلي على أطباق جديدة دون التفريط في الموروث.
هي إذن منافسة ودّية عنوانها النكهة والهوية، تُضفي على الشهر الفضيل حيوية خاصة، وتحوّل المائدة إلى مساحة لقاء بين تقاليد مختلفة يجمعها شغف الطعم الأصيل.