الدّرس الأكبر من تركيا
لن أستخلص الدّرس الأكبر من المواقف البَعْدية التي كانت لكل طرف تجاه محاولة الانقلاب الفاشلة التي عرفتها تركيا، فتلك مواقف إما سايرت الأحداث أو انتبهت لغفلتها أو أصرَّت على خطئها، ولكني سأستخلصه من ثلاثة مواقف حدثت في الوقت ذاته الذي كانت فيه المحاولة بين الفشل والنجاح، وتلك في تقديري أفضل فترة لاستخلاص الدروس:
أولا، جميع القوى الكبرى، لم تُندد بالمحاولة الانقلابية باعتبارها عَملا منافيا للديمقراطية، بل أفضلها اتخذت مواقف عامة تتمنى “السلام” للبلاد أو تُحذِر رعاياها من التعرُّض للخطر، وهذا يعني سياسيا أنها لم تكن تُعارض مبدئيا الانقلاب العسكري كعمل منافٍ للديمقراطية كما سَتَدَّعي فيما بعد.. وهو أول درس علينا أن نستخلصه، أن هذه القوى خاصة تلك التي تزعم أنها راعية للديمقراطية، لا “ترعاها” كموقف مبدئي إنما فقط تستخدمها كأداة من أدوات الهيمنة والابتزاز وأن ما يهمها في آخر المطاف هو مصالحها الدائمة ولو كانت على بحر من الدماء يذهب ضحيتها الآلاف من الأبرياء ما داموا من تلك الشعوب التي لم ترقَ إلى مستوى ما تعتبره تحضُّرا ومدنية، ومن بينها شعوبنا.
ثانيا، مواقف جميع القوى المعادية للرئيس التركي في العالم العربي خاصة سارعت، قبل أن يَتبيَّن الأمر، إلى الابتهاج بهذا الانقلاب وباركته، بل وأمرت قنواتها الفضائية وصحافتها “الحرة” بالخروج بأبرز العناوين المؤيدة للانقلاب، فكَتَبَ كبار مُعلقيها الافتتاحيات وبشَّر صحافيوها بخبر ما سلف من الانقلابات، دون أن يُدركوا أن كل ذلك سيُصبح بعد ساعات محل سخرية الملايين من المتابعين لتلك القنوات والصحف عبر مواقع اليوتيوب والتواصل الاجتماعي، الذين بلا شك تأكدوا بعد اليوم أن زمن الإعلام الغبي والقائم على التأييد الأعمى للحاكم قد ولّى في مجال بناء الدولة العصرية.
ثالثا، مواقف المعارضة التركية التي، رغم رفضها لمشروع “أردوغان”، لم تؤيِّد الانقلابيين، بل عكس ذلك تماما رفضت هذا الأسلوب في التغيير في الوقت الذي كان بإمكانها أن تَركب الموجة وتَتخذ موقفا انتهازيا وتؤيد عدو عدوها لعلها تحقق بعض المكاسب… وبهذا أكدت بالفعل أنها معارضة وطنية شريفة تقبل تعرُّضها للقصف مثلها مثل الحزب الحاكم، على أن تُؤيِّد الأساليب غير السلمية وغير المشروعة في الوصول إلى الحكم.
ومنه نستخلص الدرس الأكبر من تركيا أن النظام السياسي المتماسك حقيقة هو ذلك الذي يقوم على ركائز ثلاث: لا يبني وجوده على الدعم الخارجي، ولا يؤمن بالإعلام المزيف القائم على الموالاة العمياء، ولا يُطيل عمره بشَيْطَنة المعارضة أو التشكيك في وطنتيها.
وهي خلاصة لعلها تكفي لتعزز الأمل لدينا في غدٍ أفضل.