الرئيس يبقي على الأزمة في غرفة الإنعاش إلى أجل غير مسمى
تخطّى عمر الانسداد السياسي الذي يرهن مستقبل البلاد، ثلاثة أشهر بالتمام، ولا جديد في الأفق ينبئ بقرب حدوث انفراج في الوضع، فيما تعيش البلاد على وقع بركان فتيله الاحتجاجات الاجتماعية التي وصلت حد الغليان بسبب ما صار يعرف بـ”أزمة الكهرباء”.
ومعلوم أن ستّ وزارات كاملة تدار شؤونها بالنيابة منذ أزيد من ثلاثة أشهر، وهي: العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، الأشغال العمومية، التهيئة العمرانية والبيئة، النقل، التعليم العالي والبحث العلمي، البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال، بعد أن أصبح الوزراء الستة نوابا في المجلس الشعبي الوطني، ووزارة سيادية بثقل وزارة العدل بلا وزير منذ ما يزيد عن الأربعة أشهر، بعد تعيين الوزير السابق الطيب بلعيز، رئيسا للمجلس الدستوري، والأكثر من ذلك، نحن أمام جمهورية بلا مجلس وزراء منذ أزيد من ستة أشهر.
وتقف الحكومة عاجزة عن مواجهة الكثير من المشاكل التي باتت تهدد السلم الاجتماعي بحق، فالانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، أصبح بمثابة الخبر اليومي للجزائريين، والماء أصبح عملة نادرة افتقدته الكثير من بلديات وأنحاء العاصمة، فما بالك بالجزائر العميقة رغم ملايير الدولارات التي صرفت من أجل توفيره للمواطن، أما الغلاء الفاحش في الأسعار فتحول إلى متغير ثابت، رغم القوانين الردعية التي سنت لضبط أسعار السلع الأساسية.
واللافت في الأمر هو أن الأزمة لم تضرب فقط الوزارات التي تعاني من “أزمة التسيير بالنيابة”، بل امتدت حتى إلى الوزارات التي تسير بشكل عادي، على غرار وزارة الموارد المائية ووزارة الطاقة والمناجم، ووزارة التجارة، ما يعني أن المشكلة ليست في غياب المسؤول الأول عن القطاع، وإنما أصبحت بنيوية مستحكمة في قلب الإدارة.
وعلى الرغم من إدراك صنّاع القرار للمخاطر المترتبة عن انسداد الأفق السياسي الراهن، وتفاقم الأزمات المتصلة بالحياة اليومية للمواطن، إلا أنهم لم يولوا الاهتمام المطلوب بما يتهدد البلاد. ولحد الساعة لم يرسُ تحليل المتتبعين وقراءاتهم للوضع الداخلي للبلاد على تصور مقنع، لاستمرار ظاهرة شغور سبع وزارات كاملة من وزرائها.
لقد تعوّد الجزائريون أن يقدم رئيس الجمهورية، على تغيير أو تعديل وزاري مباشرة بعد أي انتخابات تشريعية، وهو التقليد الذي تكرّس حتى في عهد الرئيس بوتفليقة ذاته، غير أن الأمر طال هذه المرة.. ولو أن الجهات المعنية خرجت على الجزائريين لترسّم استمرار العمل بحكومة أويحيى وأعلنت استكمال الوزارات الشاغرة، لهان الأمر، طالما أنه ليس هناك في الدستور ما يحتم على الرئيس تغيير الحكومة بعد إجراء الانتخابات تشريعية، وإن كان المنطق والأعراف الديمقراطية تقتضي ذلك، لأنه من غير المعقول أن يسيّر حزب فشل في اختبار شعبه حكومة بلاده.
عندما وعد الرئيس بوتفليقة، الجزائريين بأن الانتخابات التشريعية الأخيرة، ستكون بمثابة أول نوفمبر جديد في خطابه يوم 8 ماي بسطيف عشية الانتخابات، تفاءل الجميع بإمكانية حدوث نقلة نوعية في عقلية المسؤولين وتسيير دواليب الدولة بعد العاشر ماي، لكن المفاجأة كانت صادمة، وهي أن التشريعيات لم تكن ذلك “النوفمبر الموعود”، بل كانت مقدمة لكابوس اسمه الانسداد واللا حراك. ومن هذا المنطلق، يصبح التساؤل مشروعا حول ما إذا كانت تشريعيات العاشر من ماي، ثورة نوفمبرية ثانية؟
قد تكون السلطة أخطأت في الحسابات التي راهنت عليها من وراء الاستحقاق الانتخابي الأخير، وهذا أمر ممكن الحدوث، لكن أن تفشل في التعاطي مع تداعيات هفوة تكون قد وقعت فيها، ويستمر هذا الفشل إلى أجل غير مسمى، فهذا يضعها أمام مسؤوليتها التاريخية إزاء شعبها.