-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الربيع الذي لم يُزهر

الشروق أونلاين
  • 1958
  • 0
الربيع الذي لم يُزهر

يُصرّ بعض الجزائريين على اعتبار ما حدث في “خريف” 1988 “ربيعا” جزائريا، سبق كل فصول العالم المُزهرة، ويصرّ غالبية رجالات السياسة عندنا، على أن يجعلوا أنفسهم أبطالا لتلك الأحداث، التي بالرغم من وصفها بالربيع، إلا أن الضباب الكثيف مازال يخيّم على أحداثها، فهم يكتبون التاريخ بطريقتهم الخاصة، وكالعادة تنتهي فصوله بانتصار البطل على جبروت الديكتاتورية، والحقيقة أن ما حدث في الخامس من أكتوبر لا يمكن اعتباره ربيعا، لأن هذه التسمية جاءت متأخرة، على وزن ما يحدث في الكثير من البلدان العربية، التي لم يطلها من الربيع سوى عواصفه، كما أن مرور ربع قرن عن “الربيع المزعوم” دون أن يُزهر، يعني أننا في فصل خامس لا يعني مسار فصول السنة.

أما أن يزعم إسلاميون أو ديموقراطيون، بأنهم قادوا الشباب المطالب ـ في حقيقة الأمر ـ بالشغل وبالسكن، فذاك هو الكذب على التاريخ، الذي بقدر ما يفقدنا جزءا من ملامح الماضي، بقدر ما يجعل حاضرنا ومستقبلنا غامضا مثل أحداث أكتوبر، وإذا كانت السلطة في الجزائر خلال نصف قرن قد حققت إنجازا حقيقيا ومهما بالنسبة لها، فهو بالتأكيد تمكّنها من جعل السياسة آخر اهتمامات المواطن، بل خارج اهتماماته، لأن ما حدث في الخامس من أكتوبر عندما خرج الشباب إلى شوارع العاصمة، ما زال يحدث الآن يوميا في الكثير من القرى والمدن، حيث يطالب الشباب بالشغل وبالسكن وبالماء وبالغاز، بطرق ربما أعنف وأكثر إصرارا، مما حدث منذ ربع قرن، والفارق الوحيد أن الدولة في خريف 1988 هي من صنعت الحدث، عندما ظنت أنها هي ما ترينا إلا ما ترى، وما تهدينا إلا سبيل الرشاد، فقمعت أبناءها، ورمتهم بالرصاص الحي، فسقط منهم ضحايا، يعلم الله ثم رفاقهم، أنهم لم يطلبوا ديموقراطية ولا عدالة ولا دولة القانون ولا حريات ولا تعدد أحزاب، وإنما كرامة اجتماعية تتوفر فيها أبسط ضروريات حياة، كانت ومازالت وقد تبقى مدة أطول غائبة.

ويبدو وصف أحداث الخامس من أكتوبر بالربيع الجزائري، ظلما لتلك الأحداث البريئة، ولشهدائها الذين مازلنا نجهل عددهم وأسماءهم وظروف مقتلهم، وطبعا القناصين الذين أطلقوا الرصاص على صدورهم، لأن الربيع الذي أدخلنا في زوبعة من الدم لمدة قاربت العشريتين، وجعل أزماتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتعقد إلى درجة اللا حل، لا يمكن سوى لعنه. 

 

إذا كنا مقتنعين بأن الربيع لا يأتي بالنار ويُبقي البلاد في النار، كما هو حاصل في سوريا ومصر واليمن، فإننا نعرف أن الربيع هو زهور يانعة تسرّ الناظرين، وليس أشواك الاختلاسات التي تلدغنا دون أن تسيل دماءنا، وهو نسمات منعشة، وليس عواصف هوجاء تقتلع الأمل من جذوره في قلوب الناس، وهو شمس حنون تمنح الدفء والطمأنينة، وليس نارا حارقة، تحوّل جمال البلاد على رماد، وهو طيور تشدو الأمل، وليس نسورا جارحة تمارس كل أنواع البطش. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!