الزلط والتفرعين!
من الطبيعي أن يدوخ الرأي العام، ففي زمن التقشف وربط الأحزمة، يتقرّر الإفراج عن تعويضات أو مخلفات مالية تصل إلى 30 مليونا لفائدة ما لا يقلّ عن 81 ألف أستاذ، على أن يتمّ ضخّ هذه الحقوق المتأخرة بالتقسيط على 5 مراحل تمتدّ إلى غاية 2017.
في خضمّ هذه التراكمات و”النتف” الذي شمل وسيشمل ميزانية مختلف القطاعات ومدّ الأيدي إلى جيوب المواطنين، تسبّبت أو ستتسبّب الضرائب والرسوم الجديدة في ارتفاع أو رفع أسعار السيارات الجديدة وحتى القديمة بـ 20 بالمئة!
هل هو تقشف؟ أم بحبوحة؟ أم زبر لما يجب زبره وردّ حقوق مهضومة ولو بأثر رجعي؟.. الإجابة قد تكون صعبة أو ملغـّمة، فالتقشف الذي يضرب أعناق وأرزاق القلوب قبل الجيوب، منذ انهيار أسعار البترول، أخلط الحسابات ونقل الرعب إلى المسؤولين قبل المواطنين!
انهيار قيمة الدينار، الذي كان “بشلاغمو”، مقابل التهاب بورصة “الدوفيز”، الذي بلغ 18 ألف دينار مقابل 100 أورو فقط، هو مشهد آخر لأزمة مالية، وانهيار القدرة الشرائية، أصبحت مفزعة، وغير قابلة للمقاومة والتصدّي!
زائر الأسواق والمحلات التجارية، والموظف الأجير، وحتى صغار التجار، هم وحدهم من يعرف المصيبة التي تواجههم والعياذ بالله كلّ صباح ومساء، عندما يُدخلون أيديهم إلى جيوبهم، يُدركون جيّدا أنهم مستهدفون في توازنهم المالي، وفي رزقهم وفي عيشتهم الكريمة وفي كرامتهم أيضا!
لا أتحدث هنا عن البطالين المساكين، ولا عن المعوزين أو محدودي الدخل، فهؤلاء “ربـّي معاهم”، لا أعتقد أنهم يقضون أياما وليالي هادئة وسعيدة، وإن كان “الهنا غلب الغنا”، لكن صدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما قال: لو كان الفقر رجلا لقتلته!
الفقر لا هو ذكر ولا أنثى، إنه الفقر، وتصوّروا الفقر عندما يتعزز بالنسبة إلى شرائح واسعة بالتقشف وغلاء الأسعار وانهيار المعيشة في واد سحيق، ولذلك فإن التعويضات التي بشـّرت بها وزارة التربية آلاف الأساتذة والمعلمين، تبقى كمن يُفرغ الماء في الرمل وسط صحراء حارقة!
الأكيد أن في كلّ إضافة إفادة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحفنة دينارات، لكن الظاهر أن أزمة البترول ومن خلالها الضائقة المالية التي تـُرعب البلاد والعباد، لن تتوقف تداعياتها هنا، فعندما يفرغ “المزود” انتظر كلّ شيء، بما في ذلك الإجراءات التي لا تسرّ صديقا ولا عدوّا!