“الزمياطي” بدل الاستشراف!
تأكيد الرئيس تبون، في اجتماع مجلس الوزراء، الأخير، وهو يخاطب أعضاء الحكومة بمناسبة عرض مخطط عملها، بأن “الاقتصاد لا يقوم على التقديرات وإنما على الإحصاءات الدقيقة”، يدفع إلى القول بأن البلاد عاشت فعلا لسنوات طويلة، وفق منطق “التقديرات”، وقد تم بالمقابل قتل الإحصاءات وكلّ ما له علاقة بالاستشراف، ولذلك كانت أغلب الأرقام خاطئة، ودخلت معظم القرارات والإجراءات في “حيط” من “البيطون”!
معاداة الاستشراف يعني في ما يعنيه إنتاج أرقام هلامية ومزيفة لواقع غير حقيقي ولا صحيح، وهذا ما جعل الحكومات المتعاقبة خلال الفترة البائدة تمارس الكذب على نفسها أولا، وحصل لها ما حدث لحجا الذي أطلق كذبة ثم صدّقها، ويا ريت توقف الأمر هنا، بل راحت تصّر على أسلوب “الهفّ والتبلعيط” عند مخاطبة المواطنين وخلال الزيارات الميدانية للولايات!
ألم يحدث أن رئيس حكومة سابق زار ولاية من الولايات، وعندما زار أحد المشاريع السكنية، كان المسؤولون المحليون قد حضروا له شقة واحدة كنموذج لباقي الشقق، لكن الشهادات المسرّبة من هناك، قالت والعهدة على الراوي، إن العملية كانت مرتبطة فقط لنقلها عبر التلفزيون، لأن باقي الشقق في كامل المشروع لم تكن مكتملة، وهذا هفّ ما بعده هفّ!
ألم يزر الرئيس السابق المستقيل، ولاية من الولايات، وبأصحاب “البارود والكرابيلا” دشّن مشروعا في قلب المدينة، ليتمّ في ما بعد اكتشاف فضيحة مدوية، بعدما لوحظ أن أعمدة الكهرباء كانت للتزين فقط، ولم تكن موصولة أصلا بالتيار الكهربائي، وهي نفس المهزلة التي حدثت في مشاريع لتوصيل المنازل بالكهرباء والغاز، ليتم في النهاية اكتشاف بأن البيت الوحيد الذي كان محظوظا واستفاد حصريا وفقط هو الذي صورته كاميرا التلفزيون ساعة التدشين وكفى “العصابة” شرّ التبهديل!
أليس من “العيب والعار” أن يدشّن وزير أشغال عمومية أسبق، غار بوزقزة بأغاني “أولاد بلادي”، ليتم بعدها منع الشاحنات من عبور “مشروع القرن” لسنة كاملة، وبعد السماح لهم أخيرا بالمرور، فسدت الطريق، وتيقن الناس بأن الأمر كان مرتبطا بانقضاء “فترة الضمان”، حتى لا تنكشف خديعة الشركة التي تآمرت مع الوزير وأنجزت مشروعا مبنيا على الخدع السينمائية!
كذلك، أرقام وزارة التربية، لسنوات طويلة، ظلت تغني وترقص على ليلاها، وطبعا “الرقصات في الراس بزاف والرجلين ما قدولها”، حيث ردّدت في كل بكالوريا أنها النتائج “الأولى منذ الاستقلال”، إلى أن انكشف “الهف” في الجامعات، وكان سقوط المستوى وحتى الأخلاق وشراء النقاط والانتقال إلى الأعلى حتما مقضيا!
هذه يا جماعة الخير بعض النماذج والعيّنات التي كانت تحت الرعاية السامية لفنون “الهفّ والفستي”، نتيجة اغتيال الإحصاءات ودفن الاستشراف حي يرزق في مقبرة “أنا ديسيديت” وأنتم “دزو معاهم”!