السامط يغلب القبيح!
حكاية “كسر كلمة” وزارة التجارة من طرف الأغلبية الساحقة من التجار والخبازين وسائقي الحافلات وسيارات الأجرة، لم تعد سبقا ولا اختراعا، بل تحوّلت إلى عادة، وفي الإعادة إفادة، كلما عاد العيد ومختلف الأعياد والعطل، لكن، أعتقد أن الموضوع أخذ أكثر من حجمه للأسباب التالية:
لم لا “نضخم” قضية تغيّب العمال والموظفين عن مختلف الإدارات والشركات والمصانع، والخسائر التي يتسبّبون فيها للاقتصاد الوطني، وكذا تعطيل مصالح المواطنين؟.. أليس ذلك أخطر من غلق مخبزة أو محلبة أو مركز تجاري أو محلّ لبيع الخضر والفواكه؟
الملايير التي تخسرها الخزينة العمومية نتيجة تمديد العطل بكلّ هبل وخبل، في الأعياد، وخارج القانون، أهم وأبقى من قصة الخباز والخضار وبائع الخردة، الذي يُريد هؤلاء وأولئك أن يُرغموه على ضمان “الحدّ الأدنى” من الخدمة في عطلة يعتقد هو الآخر أنها من حقه كبقية البشر!
مصيبتنا أننا تحوّلنا إلى فريسة للاتكالية، وأصبحت العائلة على عكس ما كانت عليه، مكسورة الأيدي والأرجل، يتزاحم رجالها ونساؤها أمام مخابز “المطلوع”، ولا يستشرفون “الندرة” المتوقعة، فيملؤون القفف قبل أن تحلّ “أزمة الغذاء”، فيأكلوا من المخزون إلى أن تعود الحياة إلى طبيعتها!
محاسبة المرأة التي تتزاحم في طابور بيع “المطلوع”، أولى من معاقبة تاجر “فرّ بجلده” ليقضي العيد مع عائلته ككل الناس، وتأنيب الرجل الذي لا يتذكـّر السوق إلا عشية عيد أو عطلة، أهمّ من تأديب خضار رفع الأسعار وأشعل فيها النار!
أقول هذا الكلام، لأننا نلدغ من الجحر مرة ومرتين وعدّة مرات، ومرارا وتكرارا، فحكاية التهاب الأسعار، ليست قضية جديدة، والندرة هي الأخرى ملف قديم، والمضاربة أصبحت جزءا من قانون العرض والطلب، والتراشق بالتهم بين تاجر الجملة وتاجر التجزئة، تحوّل هو كذلك إلى ممارسة تجارية تشابه عملية البيع والشراء نفسها!
مثلما فشلت وزارتا التجارة والفلاحة في مراقبة السوق وضبط الأسعار وتأمين القدرة الشرائية وضمان توازن شبكة الأجور، عجزت جمعيات حماية المستهلك واتحادات التجار والفلاحين، عن إسماع صوتها، بنفس الطريقة التي يُثبت بها المستهلك أنه أسير بطنه وضحية جيبه!
ستتكرّر نفس المشاهد المأساوية وتعود الشكاوى، عندما يعود أول رمضان وأول عيد، وغيرهما من الفرص، وهذا دليل آخر على أننا متعمّدون على التورّط في خلخلة المفاهيم وزعزعة القيم ومساعدة “عديمي الذمّة” على فرض منطق “السامط يغلب القبيح”!