السفير الياباني في الجزائر: بلادي حققت تطورها بفضل استثمارها في الانسان
تاريخ العلاقات الجزائرية اليابانية بدأ مع سنة 1958 فقط، لكن كان حافلا بالإنجازات.. كيف ترون مستقبل هذه العلاقات في ظل التطورات السياسية والاقتصادية العالمية؟
احتفلنا بمرور 50 سنة من عمر العلاقات الثنائية، فاليابان اعترف بالجزائر كدولة ذات سيادة سنة 1958 اي قبل الاستقلال، حيث كانت هناك علاقة صداقة وتضامن بين الدولتين بفتح مكتب الآفلان في طوكيو 1958.
آنذاك الكثير من الشعب الياباني ساند القضية الجزائرية. وكما تعرفون اليابان كانت ضحية القنبلة النووية والجزائر أيضا كانت ضحية تجارب نووية واحتلال، وفي هذا الإطار نسجنا العلاقات الرسمية مباشرة بعد الاستقلال. صحيح أن العلاقات عرفت صعودا ونزولا، إلا أنها قوية جدا، أرى أن هناك الكثير من الإمكانيات والتعاون في المستقبل، كما أنني جد سعيد كوني سفير اليابان في الجزائر، وما يوطد العلاقات التاريخية، العلاقات السياسية أيضا بين البلدين، ففي شهر سبتمبر التقى وزير الخارجية االياباني وزير الجزائر للشؤون الخارجية عبد القادر مساهل في القاهرة ومنحا دفعا للعلاقات وقوة في كل المجالات لاسيما الحرب ضد الإرهاب. وفي 24 ديسمبر التقى الوزير المنتدب للشؤون الخارجية اليابانية السيد ساتو بوزير الخارجية الجزائري ووزير الطاقة للحديث عن مستقبل العلاقات والتعاون الاقتصادي في مجال المحروقات.
أنا جد متفائل بالعلاقات الثنائية ومستقبلها
الجزائر عاشت حصارا دوليا خانقا أثناء الأزمة الأمنية سنة 1990، كيف تعاملت طوكيو مع الجزائر خلال حربها ضد الإرهاب، خاصة وان اليابان من البلدان القليلة التي لم تغلق سفارتها بالجزائر؟
الجزائر بلد صديق لليابان، ونحن نتضامن معه في كل الظروف، ولم نغلق سفارتنا وواصلت المؤسسات اليابانية مشاريعها إلى غاية إتمامها، حيث كانت الشركات اليابانية تتولى إنشاء مركب تكرير البترول والغاز بسكيكدة في تلك المرحلة الصعبة ولم تغادر الشركات اليابانية الجزائر حتى في وقت الإرهاب.
ما هو حجم التبادل الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وما هي أهم مجالات التعاون؟
حجم التبادل التجاري بين البلدين في الماضي بلغ حوالي 2 مليار دولار سنويا، لكن حاليا مع فرض نظام رخص الاستيراد وتغيير الجزائر لقوانين التجارة الخارجية، تقلص حجم التبادل إلى 400 مليون دولار، هذا التراجع للأسف كبير، لكن نحاول تفعيل التبادل في ظل القوانين الجديدة للتجارة، فلا زلنا نصدر للجزائر السيارات وآلات ومعدات ومواد الفولاذ، كما لا زلنا نستورد المواد الجزائرية الخاصة في مجال المحروقات.
هل توجد جالية جزائرية معتبرة في اليابان؟
هناك حوالي 250 جزائري في اليابان اغلبهم طلبة ومتربصون ومثقفون ورجال أعمال، في حين يوجد 100 ياباني فقط في الجزائر. عدد اليابانيين في الجزائر اقل من الجزائريين في اليابان، فاليابانيون غادروا الجزائر مباشرة بعد الانتهاء من الأشغال وإتمام المشاريع الضخمة مثل الطريق السيار شرق غرب، لكن اعتقد ان عددهم سيزداد مع تضاعف الاتفاقيات والصفقات في مجال المحروقات.
ما هي أهم الاتفاقيات بين البلدين في مجال الدعم التقني ؟
نعم، الجزائر واليابان وقعتا اتفاقية تعاون في مجال الدعم التقني سنة 2004 أثناء الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لليابان، علما أن الرئيس بوتفليقة زار اليابان ثلاث مرات 2000 و2004 و2008 بمناسبة قمة مجموعة الثمانية.
ما هي مشاريع اليابان فيما يخص الطاقة المتجددة المقترح إقامتها في الصحراء الجزائرية الكبرى؟
هناك مشروع كبير لتطوير الطاقة المتجددة مع جامعة العلوم والتكنولوجيا بوهران عملنا عليه منذ 5 سنوات وهو مشروع بحث لتطوير تكنولوجيا استغلال رمال الصحراء ونجح المشروع الذي امتد من سنة 2010 إلى غاية 2015 وتخرج العديد من المهندسين والطلبة، وضعنا أول خطوة في البحث وهناك الكثير من النجاح والكثير من الشركات اليابانية مهتمة بتطوير المرحلة الثانية من هذه التقنية بالتعاون مع باحثين جزائريين لاستغلال الطاقة الشمسية.
نشرت سفارة اليابان كتابا بمناسبة مرور خمسين سنة من تاريخ العلاقات الجزائرية اليابانية، كيف تولدت فكرة كتابة تاريخ هذه المرحلة؟
الكتاب نشر بمناسبة 50 سنة من العلاقات الدبلوماسية، يضم شهادات جزائريين ويابانيين، هدفنا من كتابة هذا التاريخ الجميل بين البلدين وهذه القصة الجميلة التي لا يعرفها الكثير، ومن خلال الكتاب نتقاسم التاريخ والذاكرة الجميلة التي نسعى أن نورثها للأجيال القادمة. وهذه السنة أصدرنا ايضا منشورا آخر حول الصداقة الجزائرية اليابانية.
كتب سفير اليابان السباق “تسو كازا كوادا” مداخلة يصف فيها الجزائر ببلد الإمكانيات الهائلة والفرص الكبيرة، هل ننتظر من اليابان تقوية علاقاتها الاقتصادية لاستغلال هذه الفرص التي تستغلها الصين مثلا؟
أقاسم زميلي السفير السابق الرأي، وارى فعلا أن الكثير من الإمكانيات الضخمة والفرص في الجزائر. أظن الوقت حان لتجسيد الإمكانيات، فالكثير من المصانع والمستثمرين اليابانيين في قطاع السيارات اليابانية يبحثون عن الاستثمار في الجزائر، خاصة إقامة مصانع التركيب مع وكلاء، وفي هذا الإطار سيقوم وفد من رجال أعمال يابانيين شهر فيفري القادم بزيارة للجزائر، كما سيزور مجموعة رجال أعمال جزائريين اليابان لتجسيد بعض المشاريع الاقتصادية وهذه ديناميكية كبيرة.
ما هي أوجه التعاون العسكري، خاصة في مجال جمع المعلومات بعد حادثة تيقنتورين التي خلفت الكثير من الضحايا اليابانيين؟
بالفعل حادثة تيقنتورين كانت قاسية وسببت صدمة كبيرة للشعب الياباني ولحكومتنا وعليه عززنا تعاوننا العسكري وعززنا إجراءات الأمن بالسفارة ولدينا اتصالات كبيرة مع مصالح الأمن الجزائرية ووظفنا اثنين من الدبلوماسيين المعربين لجمع الكثير من المعلومات والتعاون مع الجهات الجزائرية ونأمل أن يتجسد هذا التعاون، لدينا تكنولوجية إعادة رسم الوجه والتعرف على الأشخاص وهي متطورة وفعالة تعتمدها الكثير من الدول التي لها مشاكل الهجرة والحدود، حيث تمكنها من التعرف على الأشخاص المشتبه فيهم والإرهابيين.
امتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي يشكل خطرا على اليابان، كيف تواجه طوكيو مثل هذا التحدي؟
هو تهديد كبير لليابان، ولكن ليس لليابان فقط، بل لكل دول الجوار ولأمريكا وللعالم. هناك الكثير من الرفض والإدانة والكثير من القرارات داخل مجلس الأمن، نحاول اليوم مع الجزائر وكل الدول أن نمارس الضغط لتجريد كوريا من السلاح النووي، وعليها أن تتوقف عن سياستها بامتلاك السلاح النووي والتوقف عن إطلاق الصواريخ، فلا أحد اليوم في العالم يرغب في حرب كونية، فسياسة كوريا تهديم حقيقي للسلام في العالم.
لاحظنا أن الاستثمارات اليابانية في الجزائر متراجعة مقارنة بالاستثمارات الأمريكية خاصة في مجال المحروقات، ما السبب؟
تيقنتورين حادثة مؤسفة
قبل أربع سنوات استهدفت إحدى اكبر الشركات اليابانية المستثمرة في الجنوب الجزائري، لكن اليابان أكثر قوة والشركات اليابانية مثل “جي جي سي” كانت من بين الشركات المتضررة في الهجوم الإرهابي عادت للعمل في الجزائر ووقعت عقودا جديدة لتطوير محطات تكرير ومصفاة حاسي مسعود وحاسي الرمل وأكملوا مشروع بناء قاعدة تيقنتورين، وأظن أن اهتمامات اليابان والولايات المتحدة الأمريكية مختلفة تماما، فالأمريكيون يهتمون بتطوير مناطق استغلال البترول، لكن اليابان مهتمة بالمنشآت الغازية وتطوير مركب غاز وبترول ومركب بتروكيمياء في ارزيو غرب الجزائر، حيث تعمل شركة ميتسو بيشي مع سوناطراك في مركب للأسمدة.
ما الذي يشد اهتمام سعادة السفير الياباني في الجزائر من العادات والتقاليد والعمران والطبخ…؟
الجزائر بلد ملهم، وكل منطقة لها تقاليد وعادات وفن الطبخ، وما يعجبني اكثر بالشخصية الجزائرية كرم الضيافة والتفتح، وهي ثقافة سكان البحر الأبيض المتوسط، ومقارنة باليابانيين نحن نحب هذه الثقافة أكثر.
ما هي المناطق التي زرتموها في الجزائر؟
زرت تقريبا كل المدن الكبرى الساحلية والصحراء، بشار تمنراست غرداية وشدتني الصحراء الجزائرية كثيرا.
الأخلاق اليابانية وخاصة احترام الوقت ونظافة المحيط هي مضرب الأمثال في العالم، كيف ساهمت منظومة التعليم في ترسيخ هذه القيم؟
شكرا لهذا الانطباع، التربية هي أولوية اليابان، لكنها ليست حديثة، بل تعود إلى سنوات، حتى من العصور الوسطى ومن مرحلة الساموراي، وهي القيمة اليابانية التي نورثها للأطفال والأجيال، وهذه الأولوية هي من ركائز التاريخ الياباني. الجميع في العالم يعرف ان اليابانيين عاملون يقدرون الوقت، منضبطون، لقد تطورنا وواكبنا التكنولوجيا الغربية، لكن حافظنا على ثقافتنا ونرغب في تقاسم هذه التجربة مع باقي الدول كالجزائر من خلال التاريخ.

لكن المجتمع الياباني فيه الكثير من الإيجابيات مع الكثير من السلبيات، اليوم كل شيء تعولم والمجتمع قاس وصعب ومنغلق، لكن استطعنا أن ننفتح قليلا، واليابانيين يحاولون تغيير نمط حياتهم بسبب الثقافات الأخرى التي تصلنا مع السياح، نأمل في المزيد من الانفتاح على العالم حتى نصبح ليبراليين، ليس لدينا موارد طبيعية، لا طاقة ولا بترول، لذلك استثمرنا في الانسان خاصة عبر التربية.
كلمة لقراء المجلة وللشعب الجزائري
من خلال العلاقات الثنائية يتبين أننا جغرافيا بعيدون، لكن أرواحنا قريبة جدا ونحن دائما إلى جانب الجزائر التي استطاعت ان تتطور في الكثير من الميادين ونأمل أن يكون اليابان شريكا فعالا للجزائر.