الرأي

السنوار.. سلاح وسبحة وأذكار نبوية

حسين لقرع
  • 798
  • 0

كما فاجأ القائد البطل يحيى السنوار الاحتلال والعالم أجمع يوم 7 أكتوبر 2023 بغزوة “طوفان الأقصى” المباركة التي غيّرت تاريخ فلسطين والمنطقة، فقد فاجأ الجميع أيضا يوم 16 أكتوبر 2024 وهو يقاتل الاحتلال، كأيّ جنديّ بسيط في غزة، ثابتا صامدا، مرابطا مدافعا بنفسه عن أرضه وشعبه ومقدّسات ملياري مسلم، مرتديا لباسا عسكريا، إلى أن ارتقى شهيدا وسلاحه في يده وبجانبه مسبحة ومطوية أذكار نبوية يومية…

هذه هي سيرة العظماء قادة الثورات الشعبية عبر التاريخ؛ يقودون محاربيهم خلال المعارك ولا يختبئون وراءهم، إلى أن يسقطوا في ساحات الوغى، لم يكن السنوار متخفّيا في نفق عميق بعمق مائة متر يرتدي حزاما ناسفا ويتّخذ الأسرى الصهاينة دروعا بشرية كما أشاع عنه العدوّ، بل كان يتحرّك فوق الأرض، وكان في قلب المعركة، وفي مقدّمة الصفوف، يقود المقاومين ويوجّههم، وخلال معركته الأخيرة، لم تكن معه كتيبة مدجّجة بالسلاح لتحرسه، وتدافع عنه إذا اكتشف العدو أمره، وتوفّر له تغطية نارية كثيفة تمكّنه من التواري في أحد الأنفاق، بل كان معه فقط قائدان ميدانيّان من “حماس”، وواجه جنود العدو بشجاعة وهو يمتشق سلاحه، مقبلا غير مدبر، إلى أن ارتقى شهيدا، فهزمهم مجاهدا وهزمهم شهيدا!

لذلك، لم تكن صورة استشهاد السنوار في جنوب غزة، صورة نصر للاحتلال كما أرادها نتنياهو وقادة الاحتلال المجرمين، بل كانت صورة نصر وعزّ وشرف تشدّ من أزر المقاومين وترفع معنوياتهم؛ فقائدهم حارب كأيّ واحد منهم، إلى أن استشهد، ولم يطلب منهم أن يذهبوا للقـتال وهو يختفي وراءهم، ألا يستحقّ مثل هذا القائد العظيم كلّ التبجيل والتقدير من جنوده وأن يسعوا جاهدين ليثأروا له؟

حينما استشهد الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصر الله، في 27 سبتمبر الماضي، كانت دماؤه وقودا لمقاتلي الحزب الذين لملموا جراحهم سريعا وبدأوا يقومون بعمليات يومية نوعية موجعة للعدوّ، من قنص جنوده وتدمير آلياته تباعا في جنوب لبنان، إلى قصف حيفا وتل أبيب ومستوطنات الشمال بالصواريخ وإرسال 2 مليون صهيوني إلى الملاجئ، وصولا إلى محاولة اغتيال نتنياهو نفسه في بيته بقيسارية بطائرة مسيّرة صبيحة السبت.. واليوم نأمل أن يقوم مقاتلو المقاومة الفلسطينية بالأمر نفسه ويكون ثأرهم كبيرا للقائد العظيم يحيى السنوار، وهذا دين له في رقابهم جميعا، فقوموا وموتوا على ما مات عليه، كما قال الصحابي أنس بن النّضر مخاطبا الصحابة في غزوة “أحد” حينما دبّ في صفوفهم الوهن والإحباط بعد أن بلغتهم إشاعة وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلّم.

يكفي السنوار شرفا أنّه صانع ملحمة غزوة 7 أكتوبر المجيدة التي ضربت “الجيش الذي لا يقهر” في مقتل، وكسرت هيبته، وأنزلت به هزيمة مذلّة، ويكفيه عزّا أنّه قاد المقاومة طيلة عام كامل من حرب الإبادة إلى الصمود في وجه جيش الاحتلال وتمريغ أنفه في أوحال غزة وإنزال خسائر كبيرة به، وقد اعترف نتنياهو أخيرا بأنّ “السنوار مسؤول عن هجوم 7 أكتوبر وتسبّب في قتل آلاف الإسرائيليين”.. نعم اعترف بآلاف القتلى وليس فقط 732 قتيل طيلة سنة من الحرب كما يروّج جيش الاحتلال كذبا وزورا.

لا جدال في أنّ استشهاد قائد “حماس” هو ضربة موجعة لها، ولكنّ المقاومة ستستمر، ولن تتأثر كثيرا باستشهاد السنوار وقبله إسماعيل هنية كما لم تتأثر من قبل باغتيال الشيخ أحمد ياسين والجعبري وعدد من القادة الميدانيين، فهناك من يخلفهم في كلّ مرة، والمعركة متواصلة، وستكون شاقة، وصعبة، ودموية، مع عدو شرس فاشي مدعوم أمريكيا وغربيا ومن العرب الأذلّاء المتصهينين، لكنّ النصر سيكون للمقاومة الفلسطينية وحلفائها في النهاية بعد تضحيات جسيمة، والاحتلال سينكسر ويزول، كما زال في الجزائر والفيتنام وأفغانستان والأمثلة كثيرة…

لقد عاش السنوار مقاوما كبيرا، وقائدا ميدانيا فذًّا، ودخل التاريخ بغزوة 7 أكتوبر العظيمة، ونال الشهادة أخيرا كما تمنّاها، وبعد سنة كاملة من الصّمود الذي أعجز المخابرات الصهيونية والأمريكية والغربية كلَّها، فطوبى له وهنيئا له الشهادة التي تمنّاها ونالها، والخزي والعار للمتصهينين العرب الذين شمتوا فيه كما شمتوا من قبل في الشهيدين العاروري وإسماعيل هنيّة وغيرهما من الأبطال الأفذاذ، وشتّان بين المجاهدين والشهداء العظماء والمرجفين الأنذال لاعقي أحذية نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وبقيّة كبار مجرمي الاحتلال.

مقالات ذات صلة