السودان سلة غذاء العرب .. هل لازالت؟
بعد مأساتنا في الاندلس التي قطعت من جسد الامة عضوا عزيزا جميلا غاليا عوض الله الامة بالسودان بنيليه وبأرضه الخصبة، لكن كما يبدو لم يتعامل العرب والمسلمون مع هذا التعويض الالهي كما ينبغي..!
يبدو اقليم العرب كواحد من اقاليم الامة الاسلامية او الجنوب من اكثر الاقاليم امتلاكا للثروات الطبيعية التي تسير نحو تكامل يدعو الى الاستقلال ويدفع الى النهضة ويبدو على الاقليم فتوة وشبابا لا يتوفر لسواه من الاقاليم، ولئن خرج حديثا من ربقة الاستعمار ولا زال جسده مدمى وآثار الحروب مرتسمة عليه، الا ان روحه لازالت عنيدة وثابه ولم ينخدش طموحه بان يكون كما كان لقرون طويلة المغناطيس للشعوب والامم والمضغة التي ان فسدت تثلمت الرسالة وارتجت صورتها في المشهد الانساني.
في اقليم العرب بلاد حباها الله بالنفط والغاز والمعادن، وبلاد اخرى حباها الله بالتكاثر السكاني واليد العاملة والتعليم والمرجعية الدينية، وبعضها حباه الله بالمياه والامطار والانهر والاراضي الخصبة، وبعضها منحه الله القداسة والبركة التي لاتوجد في سوى ارض العرب.. وهكذا تتقارب عناصر النهضة ومعاملها من قوة دفع روحي مذهل الى امكانات مادية وفيرة، الى تعداد ونوعية على الصعيد السكاني كاف تماما، وهناك عنصر اضافي مهم للغاية، انه ما يناط بالإقليم من تحمل مسؤوليات تاريخية نحو امة الاسلام التي تنظر للعرب على انهم حماة الاسلام وسدنته ونحو الانسانية المقهورة المسحوقة تحت وطاة النظام الراسمالي الجشع وحكام المافيا المنتشرين في العالم.
والسودان واحد من ارتكازات هذا الاقليم، حيث يتداخل الاقتصادي بالجغرافي بالسياسي والثقافي في ركن من الاقليم العربي حساس وخطير بما يمثله من عمق استراتيجي في الجغرافيا والامن والثروة.. وعلى طاولة الباحثين الاستراتيجيين الامريكان والاوربيين عندما توضع خريطة الاقليم تُفصل واحدة واحدة وتوضع خطط تفصيلية لكل ركن فيه ومن ثم ينظر الى التنسيق بين الخطط الاستراتيجية للضرب على مفاصلها وقوة الدفع فيها بشكل مستمر لارباكها وحرمانها من النهوض.. ويسهب الباحثون الإستراتيجيون الاجانب في تفصيل كل ركن من اركان الاقليم على صعيد تركيبه الثقافي والسياسي والاثني..
السودان هو سلة غذاء العرب، فلئن كان في مصر نيل واحد وهو ما حمى مصر من الموت والتصحر، ففي السودان نيلان، وان كانت الصحراء هي المساحة الاكبر في اقليم العرب فإن السودان هو الاكثر خضرة في بلاد العرب ويثمر البلد ويحوي من الامكانات النباتية والحيوانية ما يجعله بلد الاستثمار العربي الاول في مرحلة يعاني البشر من ازمات غذائية متفاقمة تشير اليها الدرسات العلمية المتخصصة، حيث سيكون سلاح الغذاء هو الاخطر في المرحلة القادمة، وحيث يمثل استيراد المواد الغذائية المنسوب الاكبر في استنزاف ثروات بلدان اقليمنا..
فكيف كان التعامل مع هذا الركن الكبير مساحة وثروات؟؟ وهنا تتجلى سياسة الادارات الغربية في تفتيت معاملات القوة والنهوض لدينا حيث عومل السودان منذ الاستعمار البريطاني على عزله بضرب خيمة التجهيل والامية والحياة البدائية على ابنائه الذين مورس التهميش والتفقير عليهم الى ابشع المستويات، وقبل ان تقوم القوات الانجليزية بترسيم مايشبه الحدود بينه ومصر كان السودانيون العرب المنتمون الى الحركة الصوفية العملاقة مجاهدين تحت لواء الامام المهدي يتدافعون بآلاف شهداء لطرد المستعمر المحتل الا ان تطور السلاح بيد المستعمرين في تلك المرحلة وتوفر عناصر كثيرة لدى الجيش البريطاني كان له الاثر في حسم المعركة مؤقتا لصالح المستعمر.
وبعد ان فصل جمال عبدالناصر شمال الوادي عن جنوبه وترك السودان تتشكل فيه دولة قطرية تواجه التحديات من المحيط والخارج تنامت في السودان القوى والاحزاب السياسية بجوار الحركة الصوفية المتجذِّرة في اوساط الشعب.. وبرز تياران قويان في الساحة؛ التيار الاسلامي والتيار الشيوعي وكما قيل ان الحزب الشيوعي السوداني كان اهم الاحزاب الشيوعية العربية تميز بقيادات ثقافية وعلى مستوى عال من الفعالية مستفيدا من هشاشة فكر الحركة الصوفية السياسي والاجتماعي وابتعادها عن دوائر الصراع الفكري مع الحضارة الغربية.. وظل السودان محكوما بانقلابات عسكرية فوقية فيما كان الحزب الشيوعي هو الاكثر حضورا على ساحة المعارضة وكاد يصل الى الحكم..
الا ان بروز الحركة الاسلامية المعاصرة بقيادة المفكر الاسلامي العلامة حسن الترابي حوّل مجرى الحياة في السودان وظهر جيل من الطلاب في الجامعات وانتشرت الفكرة الاسلامية التغييرية في الطبقة الوسطى التي احتضنتها وشكلت بها بديلا قويا للتيارات العلمانية لاسيما الحزب الشيوعي.. وتميزت الحركة الاسلامية السودانية بواقعية عملية وبانفتاح على تجارب الحكم وانشغلت بمواضيع السودان وتوفير شروط النهوض بالبلد والدولة وافرزت قيادات نوعية ولعلها الحركة الاسلامية الوحيدة في المنطقة العربية التي امتلكت برنامجا وخطة للنهوض بالمجتمع، فلقد امتلكت الحركة رؤية لمجتمع ودولة..
وكانت لحظة اشتعال فتيل الصراع المجدد بين السودان بما فيه من ثروات وما له من دور مع الاستعمار البريطاني والفرنسي والامريكي.. وهنا لابد من الاشارة الى حجم انجازات ارساليات التبشير في جنوب السودان والى حجم التخريب في ابنيته الثقافية والسياسية على مدار عشرات السنين من خلال تعاضد عبثية الانقلابات العسكرية واختراقات الاستعماريين ..
كان تقدم الاسلاميين لاستلام دفة الامور قويا محكما من خلال حركة شعبية منضبطة متماسكة قل نظيرها في الاقليم العربي وجيش اصبح في معظمه متشربا لروح التغيير والقوة .. واذا بالسودان بلد محوري في الاقليم العربي يفتح بواباته للعرب والمسلمين والاحرار في العالم عاقدا مؤتمرا شعبيا لكل حركات التحرر العربية والاسلامية على راسها فلسطين وفتح بلاده للمجاهدين الفلسطينيين بشتى عناوينهم في الحين الذي انطلقت عمليات الكشف عن البترول والتعاقد مع شركات صينية بعد ان اوقع الاجانب الاوربيون واصدقاؤهم من امراء خليجيين في وعي السودانيين ان لا بترول في السودان.. وفاضت الارض بخيرات ربها فتدفق النفط وتحسنت ظروف النهوض وهنا اصبح السودان مع قدره لتحمل دور تاريخي ليس فقط تجاه افريقيا حيث يضخ بالدعاة والعلم الى ادغالها التي تربطه بها روابط الدم والدين. بل على الصعيد العربي لاسيما المركز فيه فلسطين.
هذه هي لحظة الحقيقة في الصدام المتستر بين الامة والمشروع الغربي .. بين ارادة الحياة في الامة والمخطط الاستعماري.. فشنت امريكا حربها على السودان واشتركت بعض حكومات بلاد العرب في فرض الحصار على السودان وقامت منظمات حقوق الانسان بواجبها! لشيطنة السودان والقاء التهم على قياداته.. وضغطت بشروطها القاسية على السودان لتفسيخه وتبديد طاقته واصبح من “الضرورة” ان يتخلص السودان من جنوبه لكي يبقى شماله وان يتخلص من الشيخ الترابي لكي تبقى الحكومة السودانية فتحمل السودان مؤقتا ان يقدم تنازلات مؤلمة وكبيرة بل قد تكون خطيرة لكي يبقى بروحه وقوته في حدها الادنى وهو يدرك انها موجة قاسية وتمر وسيعود السودان لقوته ووحدته.
الآن يتوحد ابناء السودان من جديد.. والآن يكتشف الجنوبيون ان لابديل عن الالتحاق بالشمال.. بمعنى ان السودان يعود للتوازن، فهل ننتبه إلى ضرورة دعم هذا الركن من اقليمنا وتعزيزه ليكون فعلا سلة غذاء العرب.. وعمق امننا الافريقي والعربي.. تولانا الله برحمته.