السياحة الداخلية حققت أهدافا اجتماعية وثقافية راقية مؤخرا
تصوير الرحلات الداخلية أنعش الوكالات السياحية والتجارة والمتاحف
تتواصل، في عز سبتمبر وإلى غاية نهاية الشهر، برامج الرحلات الداخلية المنتعشة في سنة 2025 بشكل طاغ ولافت، وسط إقبال زادت من لهيبه الصور والفيديوهات التي تبثها مختلف المواقع والصفحات والقنوات التلفزيونية.
الوكالات السياحية التي وصلت إلى حد الإفلاس في فترة جائحة “كورونا”، كان رجوعها بطيئا بعد انقشاع ضباب الوباء، لكنها في الموسمين الأخيرين فتحت على نفسها بابا كان شبه مغلق وهو فتح السياحة الداخلية بأفكار جديدة، كما تقول السيدة فضيلة، وهي صاحبة وكالة سياحية تدعى باسمها في المدينة الجديدة علي منجلي بولاية قسنطينة: “أهم عامل في السياحة هو الأسعار وجودة الخدمة، كان يجب التنسيق ما بين ثلاثة أطراف، الوكالة والفنادق وحافلات النقل، وعندما تقدم رحلة لعائلات من مدينة عنابة مثلا إلى وهران، مع زيارة ثلاث مدن أخرى كبيرة مثل مستغانم وعين تموشنت وتلمسان، في خمسة أيام، وبسعر لا يصل إلى 2 مليون سنتيم، لا بد وأن تثير الرغبة التي تتحول إلى تنفيذ، وهو ما تقوم به أيضا وكالات سياحية من وهران ومن كامل مدن الغرب الجزائري التي تتصل بفنادق في مدينة شرقية ما، ثم تعرج إلى ولايات أخرى”.
والأمر لا يقتصر على سفريات الألف كيلومتر من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق من القالة إلى الغزوات، أو العكس، إنما نحو داخل الجزائر مثل بومرداس وتيبازة وتيزي وزو والبليدة، وتجد هي أيضا الإقبال الكبير، الذي أنعش مدنا غير ساحلية في عز الحرارة مثل غليزان والشلف وبرج بوعريريج التي تتوقف فيها الوفود السياحية للراحة وتناول وجبات الغداء والعشاء والتقاط الصور أمام معالمها ونقلها عبر فيديوهات مباشرة تجوب العالم وتجلب الانتباه وتثير الرغبة لزيارتها.
ووافق العديد من أصحاب فندق النجوم الثلاثة والمراقد على تخفيضات وصلت إلى غاية 50 بالمئة مع توفير وجبة الفطور، مما أنعش مداخيلهم ومكّن الوكالات السياحية من فتح خطوط جديدة تبشر بخير وفير، على حد تعبير السيد يوسف صاحب وكالة “آية” للأسفار، الذي قال: “كنّا في السابق نشتغل على وجهة تونس، والحمد لله، صار الناس يطلبون وهران وبجاية وعنابة والقالة، وكان الربيع الماضي قد شهد انتعاش السياحة الصحراوية وأظنه سيبلغ ذروته في ربيع 2026”.
مقبرة ابن باديس و”ديسكو مغرب” وجامع العاصمة
أصبحت لكل الوكالات السياحية خارطة عامة لكل ولاية، فالحافلة في وهران تتوقف أمام سانتاكروز وساحة العقيد لطفي وأمام ديسكو مغرب، وفي تلمسان أمام مرتفعات لالة ستي وقلعة الزيانيين والمغارات وفي عنابة قرب التليفيريك المؤدي إلى جبال سرايدي.
المهم أن الحافلة التي تنقل السياح، يجب أن تكون من طراز جيد والتنقل في العادة ليلي حتى تتفادى الزحام، وتمكن السياح من النوم بسبب طول المسافة، هذه الحافلات تبقى تحت الخدمة وطوال أيام الرحلة السياحية، وتنقلهم إلى المدن الأخرى وإلى المعالم المعروفة وعلى رأسها جامع العاصمة الذي صار مطلب كل سائح.
مع تطور السياحة الداخلية وتفاعل الصفحات الفايسبوكية، ظهرت أماكن جديدة صار يطلبها المواطنون، ففي قسنطينة، قالت المرشدة السياحية شهرزاد مانع، بأن سياح من غرب ووسط البلاد لم يعد شغفهم مقتصر على زيارة جامع “الأمير عبد القادر” فقط، فهم يطلبون زيارة المسكن الذي ولد فيه الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس بحي السويقة العتيق، ومقبرة عائلة ابن باديس وأيضا مسكنه الذي توفي فيه في حي القصبة، ومنهم من يطلب زيارة مكان التقاء مجموعة الـ22 ومعالم أخرى بقيت محفورة في الذاكرة تخص الأمير عبد القادر في معسكر والشهيد أحمد زبانة في مدينة وهران.
الحافلة الناقلة للسياح إلى عاصمة الغرب الجزائري لها توقف ضروري في حي غومبيطا حيث ولد وتربى واشتهر الشاب حسني، وأمام ديسكو مغرب الذي كان مقر الأغنية الوهرانية وتسجيلاتها في ثمانينيات القرن الماضي بفعل فيديوهات وكليبات حوّل المكان المنسي إلى مشهور.
ويعترف القائمون على مختلف المتاحف عبر الوطن بأن السياحة الداخلية كانت سببا في تمديد ساعات عملهم، وفتح المتاحف أيام العطل الأسبوعية وتم تسجيل ارتفاع في عدد الزيارات اليومية بشكل لافت، وهو ما جعل مختلف المتاحف والمساجد تتزود بالمرشدين والمرشدات، لتكون تحت خدمة الزوار الذين يأتون عادة في الحافلات الجماعية.
اقتصرت السياحة الداخلية وكانت في معظمها مدرسية وجامعية في سنوات سابقة على رحلات إلى بعض المواقع الأثرية الشهيرة مثل شرشال وتيمقاد وجميلة والغوفي، إضافة إلى حمامات معسكر وسعيدة وقالمة، ولكنها في السنوات الأخيرة كسرت الإهمال والصمت عن مناطق أخرى في أعماق الجزائر من قلعة تلمسان إلى كهوف زيامة منصورية بجيجل، وإلى يما قوراية ومختلف الأودية والغابات، وحتى سد “بني هارون” صار مزارا يجلب آلاف السياح طوال السنة وخاصة في فصل الربيع.
الأطباق والحلويات التقليدية.. شهية وإشهار
يقول المرشد السياحي نانو من مدينة عين أمليلة بولاية أم البواقي، وهو يتكفل بنقل السياح من شرق البلاد إلى غربها، أنه ضمن الرحلة دائما تندرج المطاعم الشعبية، فلا يمكن لزائر من شرق البلاد أن يحط رحاله بعاصمة الغرب وهران من دون أن ننقله إلى محلات شعبية لتذوق “الغرانطيطا”، بسعرها الرمزي، كما أن محلات طبخ المعقودة في تلمسان أيضا تكون في العادة محطة توقف، ويمكن التوقف في الهضاب ونواحي المسيلة لتذوق “الزفيطي” بطلب من السياح، فما صاروا يسمعون عنه يفضّلون تذوقه في مصدره وداره. وتقول المرشدة السياحية شهرزاد مانع، التي تستقبل سياح الغرب والوسط في مدينتها قسنطينة كدليل سياحي، أن الكثيرين يطلبون منها زيارة رحبة الجمال بقلب عاصمة الشرق الجزائري، فقط لأجل تذوق “حمص دوبل زيت” أو “البناشي” الأكلة المصنوعة من “اللوبيا والتشكتشوكة” ولا يمكن أن تكون عودتهم إلى مدنهم من دون حلوى الجوزية.
الجميل في الرحلات الداخلية التي أنعشت فعلا وبشكل مثير للدهشة والغبطة المشهد السياحي الجزائري، أن السائح الوهراني وهو يعود من عنابة تجده يحمل حقيبة من الهدايا ومن المأكولات والحلويات التقليدية، كما يحمل ابن سطيف وهو عائد من تلمسان حقيبة من الهدايا والحلويات التقليدية، ويدخل في المعادلة أبناء الجالية الجزائرية الذين جعلوا من صيفهم محطات وتقاليد وثقافة من عبق الجزائر.
والأجمل، بحسب السيد يوسف، مشرف على وكالة السياحة “آية”، أن الرحلات الداخلية ستتواصل طوال فصول السنة: “الآن سنأخذ راحة في رحلات الخارج من تركيا ومصر وكازاخستان وزنزيبار، وسنبقى مع الرحلات الداخلية في كل عطلة مدرسية وأحيانا خلال يومي العطلة الأسبوعية، وهي فرصة لاستكشافات جديدة وتطوير الموروث السياحي والتراثي الداخلي مع تعاون وثيق مع الناقلين الجادين، وأصحاب الفنادق والمراقد، وتطوير في صفحاتنا الإشهارية للسياحة الداخلية، التي فتحت لنا أبوابا كانت فعلا موصدة بالأقفال.
يرى كثيرون بأن انتعاش السياحة الداخلية في الجزائر في السنوات الأخيرة من خلال تزايد السياح الوافدين على الجزائر، وارتقاء الأطباق الجزائرية إلى المراكز الأولى عربيا وإفريقيا وتواجدها ضمن أوائل الأطباق العالمية، وعودة التراث إلى مكانته في “اليونيسكو” بعيدا عن عبث لصوص الحضارات، يعود أيضا إلى انتعاش السياحة الداخلية التي كشفت للعالم كنوزا بالصورة والصوت، قدّمت الجزائر في أحلى صورة، فالجزائري صار يصرّ على التعرف على بلاده أولا، وثقافة كل منطقة فيها، قبل بلاد العالم، وهو ما جعله يكتشف نفسه، ويعرف بأنه يعيش في قارة بكل ما تعنيه الكلمة.