الرأي

“السيلفي “.. وتردّي المثقف

الشروق أونلاين
  • 1952
  • 9

هذا الموضوع بالذات من الموضوعات التي ترددتُ كثيرا قبل الكتابة فيها، كما وجدتُ بعض الصعوبة في الدخول إليه، من حيث تخيُّر الباب الممكن الدخول منه، دون إيذاء الغير، مع المحافظة على الحد المقبول من النزاهة والموضوعية، وأيضا من حيث بناء الموضوع على نحو يؤدي الغرض من الكتابة فيه، وأعني بيان مكامن الداء ومواطن الخطر والخطل والانزلاق التي هي منحدرات مميتة للمتعلم والمثقف، مع الإشارة هنا ـ والله هو الشهيد على ما أقول ـ أن ما أجتهد في تحقيقه من خلال هذه الكتابات له هدف بسيط، وأحب أن تُفهم على ما هي عليه: أنها تندرج ضمن الجهد الإصلاحي من خلال النقد البنّاء للمجتمع وللأفراد؛ خاصة الشخصيات العامة المتصدّرة التي هي مجال للاهتمام والمتابعة، ومن ثم هي عرضة للنقد والتصويب والتقويم.

 من جهة ثانية أسارع إلى التأكيد على أن ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو ارتفاع منسوب المستخدمين لهذه  الظاهرة (التصوير الذاتي/ والحديث عن النفس) ووفرة المشتغلين الذين بلغ بهم الأمر في الاستخدام المكثف المتعدد لهذا الوجه من وجوه الكتابة والتدوين.. إلى درجة يمكن وصفهم فيها بـ”العابدين” لأنفسهم، بأشكال ومستويات متعددة، وبتفاوت في ذلك، ولكنه مع ذلك يكشف عن استشراء داء  تضخم الأنا وامتداده، وضمور ما عداها.. فكأنما ليس ثمة، في هذا المحيط الوطني البالغ السوء، وأكثر منه في المحيط العالمي، ما يستوجب الاهتمام والمتابعة والتوثيق والكشف والنقد والفضح والتسجيل والتصريح، ولم يبق سوى الحديث عن الذات في تمظهراتها المختلفة واستعراض أساليب منفّرة في عشقها وتدليلها!

ثم يأتي دافع آخر، في الكتابة في الموضوع، وهو دافع مرير مؤلم، وأعني به: انخراط الأصفياء- القدوات في هذا المشروع الكريه (مديح النفس العالي).. وبالتالي فإن الكتابة في الموضوع هنا، هو من وجه آخر، دعوة لمعالجة علميةـ شرعية لهذه الظاهرة المستفحلة الضارّة. وأخطر ما فيها اندفاع عدد لا بأس به من العقلاء والناضجين من الأساتذة والدكاترة والدعاة والأئمة والأطباء والمهندسين ومن إليهم من أهل العلم والثقافة.. من ذوي المستويات العالية.. الاندفاع  في هذا الرواق الخطر من التسجيل اليومي أو شبه اليومي لكل حركة وسكنة وقيام وقعود، وشرب وأكل، ولقاء مع الأصحاب والأحباب والزملاء، وإشارات إلى جولات وزيارات هنا أوهناك. حديث وكلام  ـ على كثرته وتكراره ـ لكنه ملتبس فقط بهم وبمن وبما يحيط بهم.

شيء مقرف أن نفعل ذلك بأحبائنا وأقربائنا وأنفسنا، وأكثر قرفا أن نتجاوز عشرات الأمور ذوات الأهمية والفائدة فلا نتحدث عنها برأي لا تصريحا ولا تلميحا، ونخصص المئات من الساعات المُجهِدة فقط في الحديث عن “أنا”.. في دائرة ضيّقة مغلقة، لا معرفة فيها ولا علم ولا ثقافة ولا إضافة ولا فكر.

شيء مقرف حقيقة، أن يكون شخصٌ في مستوى عال، وتتاح له هذه الفرصة العظيمة (النت) في نشر علم أو ترويج خير، أو إيصال معرفة، أو تعليم أو توجيه، أو تنبيه أو نقد أو تسجيل وتوثيق، وكثير من ذلك من أوجب الواجبات، والأمة في صراع ضار مكشوف لا رحمة ولا هوادة فيه، ولكنه يجعل  كل ذلك وراء ظهره، ولا يهتم إلا بنفسه.. نفسه فقط، ما فعله، وما سيفعله.. وما كان عليه في الماضي، فينشر ذكرياته وصوره ومشاهد نشأته الأولى وربوع تدرُّجه ومرابع لعبه وعبثه… أو يجعل جزءا من ذلك في حديث نرجسي مُتعِب ومرهِق عن أهله وأحبابه وأقاربه، ودون حياء يورّط والدته أو والدته أو هما معا.. وبعضا من أقرب المقرّبين فيعرض صورهم ومشاهد من يومياتهم أو ذكرياتهم وأفراحهم وأتراحهم.

شيء مقرف أن نفعل ذلك بأحبائنا وأقربائنا وأنفسنا، وأكثر قرفا أن نتجاوز عشرات الأمور ذوات الأهمية والفائدة فلا نتحدث عنها برأي لا تصريحا ولا تلميحا، ونخصص المئات من الساعات المُجهِدة فقط في الحديث عن “أنا”.. في دائرة ضيّقة مغلقة، لا معرفة فيها ولا علم ولا ثقافة ولا إضافة ولا فكر، ولا شيء يمكن أن يُحسب ـ من حيث الأجر الأخروي ـ  كما أنه لا فائدة دنيوية حتى، بل فقط تسجيل وتوثيق للحظات تشي بالكثير من النرجسية وحبّ الذات والحديث عنها مرارا وتكرارا.

الأسئلة كثيرة في هذا الموضوع اللاهب الحارق الحالق للحسنات، إذا استخدمنا الخطاب الشرعي وأدرجناه في دائرة الرياء والمراءاة وما إليهما؛ فالرياء كما نعلم مشتق من “الرؤية” وهو أن يعمل الإنسان عملا ليراه الناس، كما أن السمعة مشتقة من السمع وهو أن يعمل الإنسان عملا ويقصد به أن يسمع الناس به. وهو مناف للإخلاص الذي يُبتغي فيه وجه الله تعالى، مع طلب الستر قدر المستطاع. وقد قال قدامة “وشوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر، ومتى أدرك الإنسان من نفسه تفرّقه بين أن يُطّلع على عبادته أو لا يُطّلع، ففيه شعبة من الرياء..” (مختصر منهاج القاصدين ص 220). وما هذا من شوائب الرياء وشبهاته وبعض من شُعبه بل هو الرياء عينُه وذاته ونفسه، بل هو بلاءٌ مبين غشي النفوس فأرهقها وأهلكها ودفعها في واد غير ذي زرع وغير ذي أجر ومنفعة.

وما أحب التفصيل، فالفضاء الأزرق مليء عامر بالنماذج الكثيرة التي تفوح روائحها الزاكمة للنفوس من بعيد، وتعاليق القراء والمتابعين من الصراحة بحيث تدعو إلى الشفقة على هؤلاء “المغابين” الذين تردوا في هذه الوهدة من حبّ الذات والحديث عن الذات بلغ لسُخفه درجة الملل. لقد كتب كثيرون عن”السيلفي ـ وما جاوره” مما يرتبط بالولوع بالذات فأكدوا على أنه نوع من “الفُرجة” التي تدل على استحدام الأثرة (الأنانية) في نفس الإنسان؛ حتى بات لا يرى إلا ذاته. كما قالوا ـ وأستسمحكم في التعبير- بأنه نوع من “الاستمناء الذاتي” (سعيد بن كرادـ السيلفي أقصى درجات العزلة/ موجود على النت) وتحدّث آخرون عن عيوب ومشكلات نفسية مركَّبة: شعورية ولا شعورية تختفي وراء هذا الاهتمام المرضي بالصور والكتابة عن الذات وأمجادها. وقال غيرُهم إن مشكلة تتصل أقوى الاتصال بمرض كبير في هذا العصر الذي سُمِّي بحق “العصر البصري” وتحدثوا عن انشطار الذات والإغراق فيها إلى درجة لم يعد ثمة إمكانٌ للشفاء من مرضها المزمن الرهيب.

قد نتجاوز ما يفعله الشباب ـ من الجنسين ـ في هذا الخصوص من إطلاق العنان لأنفسهم في إدراج الصور والكتابات الذاتية عن أنفسهم، ولكن الأمر حين يتصل بـ”الكبار”؛ خاصة من أشرنا إليهم من القدوات في كثير من الميادين والمجالات، وبالأخص من أولئك الدعاة والعلماء والأئمة والمفكرين وأضرابهم ممن هم في مراتب قادة الرأي فإنه لبلاءٌ عظيم ومُصاب جلل، وإنه لشرّ وما هو بخير ما يفعلونه بأنفسهم وفي أنفسهم وعن أنفسهم. وإن “السيلفي” وما جاوره من الحديث المتكرر عن الذات لهو ملمحُ تردٍّ للمثقفين علموا ذلك أم لم يعلموه.

مقالات ذات صلة