الشعوذة تعود إلى المجتمع من مواقع التواصل!
على قدر انتشار بعض الآفات الاجتماعية، وطغيان الماديات في حياة الجزائريين، وتفكك العلاقات الأسرية، مع زيادة نسبة الطلاق، والعنوسة، والخيانات الزوجية، عادت في مقابل ذلك مظاهر الجهل والاعتقاد بالخرافات كالتنبؤ بالمستقبل، والشعوذة والسحر تحت غطاء الرقية الشرعية أحيانا، الأمر الذي دعا الأئمة والمختصين إلى دق ناقوس الخطر، وإعلان الحرب على المشعوذين والدجالين خاصة أولئك الذين يتاجرون في يأس المرضى ومعاناتهم.
ويشارك الكثير من تجار الأعشاب وبائعي العقاقير والزيوت العطرية كالقطران، في عملية الترويج للشعوذة عن قصد أو دون قصد، هدفهم في ذلك البيع والربح، حيث انتشر الحديث عبر منصات التواصل الاجتماعي عن بعض الأحجار والأعشاب والطيور وكيفية استعمالها في جلب الحظ وتحقيق بعض الأمنيات وطرد النحس واستمالة قلب الشريك الٱخر.
وانتشرت فيديوهات لبائعي الأعشاب والبخور وبعض الأحجار الملونة، تشرح كيفية تحضير خلطات سحرية لطرد النحس وجلب الحظ، كطريقة استعمال أجزاء طير الهدهد، واستعمال بعض الأعشاب كالسدر وأوراق الغار في الشعوذة.. وهذا زعما منهم لعلاج العديد من الأمراض المستعصية والأزمات النفسية..
مرضى يدفعون الملايين مقابل الوهم
وقالت المختصة في علم النفس العيادي، جنات يعقوبي، المكلفة بمتابعة أطفال مرضى السرطان في مستشفى الصحة الجوارية بسيدي أمحمد بالعاصمة، إن المصابين بالأمراض المزمنة والخطيرة يقعون ضحايا للمشعوذين وهم في حالة إحباط ويأس، ويتم إيهامهم في البداية، بحسب رأيها، بالرقية الشرعية، ثم يجدون أنفسهم يدفعون مبالغ مالية معتبرة لشراء الوهم، ويعطلون علاجهم في المستشفيات ويمنحون فرصة ووقتا لتطور المرض.
وأكدت أن حملات الإشهار للأعشاب والخلطات وبعض العقاقير عبر وسائط التواصل الاجتماعي وعبر بعض الفضائيات وراء زرع ثقافة اللجوء للشعوذة.
وأشارت إلى أن الترويج لبعض الخرافات كجلب الحظ والزواج والنجاح في العمل، والشفاء، عن طريق استعمال بعض الأعشاب أو الزيوت والأحجار والطيور، تبدأ باستغلال مفاهيم خاطئة عن الدين، والحديث عن بعض هذه الأشياء وذكرها في القرٱن أو السنة، فمثلا الهدهد كطائر مذكور في كتاب الله، فبعض المشعوذين يستغلون ذلك لاستمالة عاطفة زبائنهن وإقناعهم بفوائده في جلب الحظ.
ووصل الأمر بحسب ذات المتحدثة، ببعض تجار الأعشاب إلى بيع أمور غريبة كالعظام والريش والحشرات، والترويج لها على أنها وسائل لتحقيق بعض الأمنيات، ويأتي ذلك في ظل صراعات نفسية وضغوطات اجتماعية ساهم فيها المجتمع الذي تراجع فيه الوازع الديني، والصبر والمصالحة مع الذات، وهيمنة اليأس وطغيان الماديات والأحقاد.
الظاهرة طالت جميع الشرائح بسبب الجهل واليأس
اعتبر عبد الحليم مادي، مختص في علم النفس التربوي والتنمية البشرية، أن ظاهرة الشعوذة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمظاهر الفقر وتدني المعيشة، حيث يكون اليأس من القدرة على تغيير الحال، أحد محركات الاعتقادات البالية، والتفكير في اللجوء إلى السحر كأحد سبل الهروب من الواقع ورفضه داخليا.
وقال مادي، إن نفاذ الصبر يجعل هؤلاء اليائسين والناقمين على وضعهم، يكذبون على ذاتهم لتفريغ الضغط النفسي بإعطاء مساحة للنفس عن طريق الوهم، حيث في أغلب الأحيان، يعترف هؤلاء الزائرون للمشعوذين، في داخلهم بأن ذلك شرك بالله ولا يمكن أن يتغير حالهم بالسحر، ولكن يفعلون ذلك كهروب من الواقع.
وأكد الأستاذ عبد الحليم مادي، أن الفقر ليس المحرك الوحيد لظاهرة الشعوذة، بل ذلك يعود أيضا إلى نقص الكفاءة والمؤهلات في إيجاد الحلول، حيث نجد مسؤولين وإطارات في مناصب عليا، ويؤمنون بالشعوذة، كما أن بعض النساء لا يملكن الثقة في النفس والقدرة على مواجهة الواقع خاصة في ظل مجتمع ذكوري، فيلجأن إلى السحر والشعوذة.
مشعوذون يختفون تحت عباءة الرقية الشرعية
ومن جهته، أكد الشيخ قسول جلول، إمام مسجد القدس بحيدرة، أن ارتفاع نسبة الطلاق والعنوسة، وانعدام الثقة بين الأزواج والمنافسة على التفوق في الدراسة والعمل للتمظهر والمشاحنة بين الأهل والأقارب والجيران، جعل الطريق إلى الشعوذة سهلا خاصة أن هؤلاء المحتالين من المشعوذين يختبئون تحت عباءة الرقية الشرعية، التي يستعملونها في البداية كطُعم لاصطياد ضحاياهم.
وتأسف المتحدث، من استغلال بعض السحرة والمشعوذين، لوسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، حيث يتم التشهير لهم على أنهم رقاة أو معالجون لأمراض عضوية باستعمال خلطات أعشاب، أو بما يسمى بـ”القطيع”، أو بالتنويم المغناطيسي، وعلى أنهم مختصون في التنمية البشرية، ولكنهم كهنة متسترون.