الشهادات المدرسية بثلاثة ملايين سنتيم
اكتسحت آفة تزوير الوثائق الإدارية مختلف الإدارات في البلاد، كما طالت مؤخرا الشهادات المدرسية، حيث لا يتوانى الكثيرون ممن يريدون الحصول على منصب عمل أو مواصلة دراساتهم العليا عن دفع أموال معتبرة، بغية الحصول على شهادة مدرسية تثبت توقفهم عن الدراسة في مستوى الثالثة الثانوي، على الرغم من أنهم لم يكملوا حتى دراستهم الابتدائية.
ما تنشره صفحات الجرائد والنشرات الإخبارية حول عدد المتورطين في تزوير الشهادات المدرسية، يستدعي فعلا دق ناقوس الخطر، بما أن مصالح الدرك الوطني فككت مؤخرا عددا من العصابات المتخصصة في تزوير الشهادات المدرسية، إذ أصبح الأمر جد عادي بالنسبة للأشخاص الذين يريدون الالتحاق بمناصب عمل لطالما حلموا بها، أو حتى مواصلة دراساتهم العليا، فلا يهمهم دفع المال في سبيل الحصول على شهادة تثبت مستواهم التعليمي الثانوي، الذي يعدّ المستوى المطلوب بالدرجة الأولى في مسابقات توظيف الإداريين وعدد من مناصب العمل، وخاصة في سلك الأمن الذي يحلم العديد من الشبان بالالتحاق به، بل مس الأمر مؤخرا الجنس اللطيف اللواتي أضحين يعشقن “الكاسكيطة”.
والأدهى والأمر أنك تجد إطارات في الدولة وحتى الذين وجب عليهم محاربة هذه الآفة التي عصفت بالمجتمع الجزائري متورطين فيها، إذ تم العام المنصرم بمجلس قضاء الجزائر معالجة قضية تزوير شهادات مدرسية لمجموعة من الملتحقين بمسابقة الأمن الوطني، وبعد التحقيق تم اكتشاف المتورطين وهم شرطيان وإطارات تربوية في ثانوية عبان رمضان بالعاصمة، حيث صرح الشرطي أن جاره قصده للاستفسار حول طريقة الالتحاق بسلك الأمن، فأخبره أنها تتم على أساس مسابقة وطنية وفقا لمجموعة من الشروط الواجب توفرها في المتقدم للمسابقة على رأسها شهادة مدرسية للسنة الثالثة ثانوي، هذه الأخيرة لا يملكها المعني بما أنه لم يكمل دراسته إلى غاية هذا المستوى التعليمي، فطمأنه الشرطي بأنه سيتدبَّر الأمر، وما عليه إلا دفع مبلغ ثلاثة ملايين سنتيم مقابل الحصول على الشهادة، وفي اليوم الموالي طلب منه التوجه إلى ثانوية عبان رمضان، وهناك سلمها له أحد الإداريين وقدمها في ملف الالتحاق بسلك الأمن واجتاز الامتحان الذي نجح فيه، إلا أن مديرية الأمن الوطني استدعته واكتشفت التزوير وأنه لم يلتحق يوما بالثانوية.
كما ضربت فضيحة تزوير الشهادات المدرسية مؤخرا شركة الخطوط الجوية الجزائرية، ويتعلق الأمر بشهادات مدرسية ثانوية وشهادات البكالوريا، التي أدرجها المتهمون المقدر عددهم بعشرة أشخاص في ملفاتهم للظفر بمنصب مضيف في الطائرة، وبالرغم من أن أغلبيتهم لم يتعدَّ مستواه السنة السادسة ابتدائي ولم تطأ أقدامهم المتوسطة أو الثانوية، إلا أن المناصب التي تحصلوا عليها تؤكد أنهم حاملو شهادات البكالوريا زائد سنتين من الدراسة الجامعية، والأخطر في القضية أن المتهمين أغلبهم أبناء إطارات سامية في الجوية الجزائرية على رأسهم قائدا الطائرة المشرفين على تكوين الطلبة الجدد، وقد اعترف المتهمون أنهم تحصلوا على الشهادات المدرسية مقابل مبالغ مالية تراوحت بين ثلاثة آلاف وستة آلاف دينار جزائري.
حتى وإن كان بعضهم يتحصل عليها عن طريق الواسطة ولا يدفع “مليما واحدا”، إلا أن تزوير الشهادات المدرسية أضحى أمرا يهدد المستوى التعليمي في البلاد، كما يعصف بمستقبل الكفاءات الجزائرية التي أفنت عمرها في سبيل الحصول على الشهادات العليا والالتحاق بمناصب عمل ترقى لتطلعاتهم، إلا أنهم يصطدمون بواقع مر فرضه عليهم “مبزنسو” الشهادات المدرسية في البلاد وكم هم كثر.