الشيخ النعّاس.. ثلاثة عقود من تطويع الحديد ونشر الكلمات الجميلة
في إحدى ورشات اللّحام، حيث تتعالى أصوات المطارق وتتطاير شذرات الحديد، اختار الشيخ النعّاس أن ينسج حكاية مختلفة عن المألوف، حكاية تجمع بين إتقان الحرفة وجمال الفكر، وبين صلابة الحديد ورقة الكلمات، فمحله ليس مجرد ورشة لصناعة المنتجات الحديدية، بل فضاء يحمل بصمته الخاصة، ويكشف عن جانب مميز من شخصيته وطريقته في التعامل مع زبائنه.
وعند مدخل الورشة، تستوقف الزائر سبورة صغيرة يكتب عليها الشيخ النعّاس كل يوم حكمة جديدة، لتكون بمثابة رسالة عابرة لكل من يمر بالمكان. وما إن يحل يوم جديد، حتى يمسح العبارة السابقة، ويخط أخرى تحمل معان مختلفة، في مبادرة بسيطة تحولت إلى علامة مميزة لمحله، تمنح المارة فرصة للتأمل، وتجعل من الكلمات الجميلة جزءا من تفاصيل الحياة اليومية.
ولا تنتهي هذه اللمسة عند باب الورشة، بل تمتد إلى داخلها، حيث خصص ركنا صغيرا جمع فيه مجموعة من الحكم والأقوال المأثورة. وبين أدوات العمل وقطع الحديد، يجد الزائر نفسه أمام مساحة تجمع بين المهنة والثقافة، في صورة غير مألوفة لورشة اعتاد الناس أن يرتبط اسمها بأصوات الآلات وحرارة اللحام، فإذا بها تفتح نافذة للكلمة الطيبة والتفكير الإيجابي، أما الشيخ النعّاس، فقد رافقته حرفة اللحام لأكثر من ثلاثة عقود، كانت كافية لصقل مهاراته وتوسيع خبرته في التعامل مع الحديد وتشكيله وبمرور السنوات، تحول من ممارس لهذه الحرفة إلى محترف يمتلك القدرة على تحويل المواد الصلبة إلى منتجات مختلفة، تجمع بين الاستعمال العملي واللمسة الجمالية.

وتتنوع أعماله بين صناعة الكراسي المتحركة ومنتجات أخرى مخصصة للزينة، في مسار يعكس ما اكتسبه من خبرة طويلة في المهنة، فخلف كل قطعة حديدية مراحل من العمل، تبدأ بتحديد المقاسات واختيار المواد المناسبة، ثم القص والتشكيل واللحام، وصولا إلى المنتج النهائي الذي يجسد مهارة الحرفي ودقته في الإنجاز.
وتبقى تجربة الشيخ النعّاس مثالا لحرفي لم يكتف بإتقان مهنته، بل سعى إلى إضفاء طابع خاص على مكان عمله، من خلال فكرة بسيطة لا تتطلب سوى سبورة وكلمات منتقاة بعناية. ففي ورشته، لا يقتصر الأمر على صناعة الأشياء من الحديد، بل يمتد إلى صناعة لحظات من التأمل، تذكّر الزبائن بأن الإبداع لا يرتبط بحجم الإمكانات، وإنما بالقدرة على تحويل الأفكار الصغيرة إلى تفاصيل تترك أثرا جميلا في النفوس.
هكذا جمع الشيخ النعّاس بين مطرقة الحرفي وحكمة المفكر، ليصنع من ورشته حكاية تروي أن التميّز قد يبدأ من أبسط الأشياء، لكنه يظل راسخا بما يتركه من أثر.