الشيخ محمد الصالح النّيفر
أسرة آل النيفر في البلاد التونسية أسرة مشهورة وشريفة، فهي تنتسب إلى العترة النبوية الشريفة، وقد أنجبت عددا من الرجال كان لهم حظ متفاوت في العلم والعمل.
ولبعض أفراد هذه الأسرة صلة طيبة ببعض كرام الجزائريين، سواء في تونس أم في الجزائر، حيث جمعتهم حلق العلم الشريف وميادين العمل النبيل، بل إن أحد أفراد هذه الأسرة تديّر الجزائر عندما ضيق عليه الفاسدون تونس بما رحبت، أعني الشيخ محمد الصالح النيفر، الذي عاش بيننا حينا من الدهر، فوجد في الخيرة من أبنائها ما هو له أهل من الاحتفاء والتكريم، وفسحوا له مجال العمل للدعوة إلى الله، وقد اعترف الشيخ بما لقيه من الجزائريين الشرفاء، حيث قال: “ولما داخلتني الشكوك القوية في النوايا، ولم أجد السبيل أمامي لتحويل الوجهة أو توجيه النصح النافع، تركت البلاد إلى جارتنا الجزائر فوجدت نفسي فيها، رغم مفارقتي أهلي.. وجدت نفسي بين قوم أرأف بي وأكثر لطفا علي من أهلي وعشيرتي، والواقع أني وجدت من الشباب الجزائريين المسلمين فوق ما كنت أتصور وأصبو إليه عونا ماديا ومعنويا.. وجدت إخوانا أنسوني إخواني في مسقط رأسي، وشبيبة تلتف حولي وتؤازرني وتستمع إليّ… ولقد كانت السبع سنوات التي قضيتها هناك أزهر أيام حياتي..”. (الشيخ محمد الصالح النيفر: حياته وآثاره. إعداد وتقديم أروى النيفر. ص 95 – 96).
قيض الله ـ عز وجل ـ لهذا العالم الذي لم يخن الله ورسوله، ولم يخن أمانته وهو يعلم، كريمته “أروى النيفر“، فآلت على نفسها أن تجمع ما كتبه والدها من مقالات ودروس ومحاضرات وما أملاه عليها وعلى أختها، ومعظم ما نشره في الصحف والمجلات، وما سجله في الشرائط.. مشهدة الله ـ سبحانه وتعالى ـ على التزامها بالصدق والتحري.
أعدّت هذه البنت البرّة بوالدها كتابا عنه سمته “محمد الصالح النيفر: حياته وآثاره (526ص)، فسدّت به ثلمة في ذاكرة تونس المعاصرة، بعدما تبين لها أن هناك مكرا يعد لحمد أناس رضي عنهم الاستعمار الفرنسي بعدما صنعهم على عينيه، ليخلفوه فيها عندما تزف الآزفة؛ ولبخس أناس أشياءهم، لأنهم لم يركنوا إلى العدو الفرنسي ولا إلى من نصّبهم خداما له.. ولو تدثروا بغطاء “الوطنية” الزائفة…
قسمت الأستاذة أروى كتابها أقساما ثلاثة هي:
❊ القسم الأول، وفصلته فصلين هما: حياة الشيخ كما عرفته هي، و“كل فتاة بأبيها معجبة“، وكما أرخ هو لنفسه، وشهد لها وعليها..
❊ القسم الثاني، الذي يشمل آثار الشيخ من منثور ومنظوم، وفصلته خمسة فصول هي: مقالات الاعتبار والتحذير/ حوارات ومتفرقات/ المقالات الاجتماعية/ دروس الفلسفة والشريعة والحضارة/ ثم الأدبيات والأشعار..
وأما ثالث الأقسام الثلاثة فارتأت أن تخصصه لملاحق الكتاب من وثائق تتعلق بحياة الشيخ وأعماله، وما قيل فيه بعد وفاته من بعض عارفي فضله ومقدري جهده، ممن احتكوا به وخالطوه حضرا وسفرا، وإقامة وظعنا فعرفوا معدنه، وخبروا أصله.. إلى أن التحقت ورقاؤه بعالمها الأسمى، بعدما كدح إلى ربه كدحا طيلة تسعين حجة.
لقد رأت الأستاذة أروى أن تقسم حياة والدها إلى مراحل ست:
المرحلة الأولى، وسمتها “مرحلة الطلب” من سنة الميلاد 1902 إلى سنة تخرجه في جامع الزيتونة بشهادة التطويع في 1923..
المرحلة الثانية وأطلقت عليها اسم “مرحلة البناء” (1923 – 1956)، ووصفتها بأنها “أخصب مراحل حياته، وأطولها من حيث التجارب والإنجازات..
المرحلة الثالثة، التي سمتها “مرحلة الصراع مع النظام البورقيبي” (1956 – 1963).
المرحلة الرابعة، وهي “مرحلة الهجرة إلى الجزائر“، حيث شهدت نهاية العهد البورقيبي 1987، إلى وفاة الشيخ في 1993 في عهد ابن علي الذي كان أظلم وأطغى. وقد دخل التاريخ تحت اسم “الرئيس الهارب.
ومما وقع في مرحلته الثانية أنه اجتمع ـ مع ثلة من الشبان ـ بالشيخ عبد الحميد بن باديس الذي نصحهم بتكوين جمعية كجمعية العلماء الجزائرية فسعوا في ذلك، وأعدوا قانونها الأساسي.. ولكن لم يقدر للمشروع أن يخرج إلى الوجود.
لقد شهد الشيخ الشاذلي النيفر للشيخ محمد صالح النيفر أن “فضله على الزيتونة لا ينساه له التاريخ؛ فقد كانت الزيتونة في سلة المهملات.. لأن السياسة الفرنسية ترى أن التعليم الزيتوني حجر عثرة في تقدم الاستعمار، للروح الاسلامية في أبنائه ـ أي أبناء التعليم الزيتوني ـ فبذل ـ الشيخ النيفر ـ جهدا في انتشال الزيتونة من سلة المهملات.. فأنشأ “نقابة الزيتونيين” وكان كاتبها العام.. ونظم أطول إضراب عرفته البلاد التونسية حتى رضخ رجال الحكم الفرنسيون.. وأحيى جمعية الشبان المسلمين. وأنشأ مدارس البنت المسلمة.. وكل ذلك قضى عليه الفاسدون في عهد بورقيبة وزبانيته..
لقد اضطهد الشيخ محمد الصالح النيفر، فمنع من الإمامة وإلقاء دروس الوعظ، وأجبر على التقاعد “مع أنه لم يبلغ السن القانونية“، ومنعت عليه الكتابة في الجرائد، والمحاضرات.. وضربت عليه رقابة مشددة.. وعارض قانون الأحوال الشخصية لبورقيبة.. ولكنه لم يعط الدنية في دينه، ولم يبعه بدنيا..
لقد كانت بين الشيخ محمد الصالح النيفر وصالح الجزائريين مودة، ومنهم الشاعر محمد العيد آل خليفة الذي حياه بأبيات تحت عنوان: “إمام داع وشباب واع“، جاء فيها:
حيّ الإمام النيفري وقل له بشرى لنا بك من إمام داعي
إن الجزائر بوّأتك مكانة مرموقة لندائك السّماع
لك في مساجدها مجالس دعوة كمجالس (البصري) و(الأوزاعي)
تدعو لإحياء التراث شبابها وتدلّه بأدلّة الإقناع
لم لا يكون من اقتدى بك صالحا وقد استجاب لـ “صالح” نفّاع؟
إن الشباب إذا اهتدى بلغ المدى من وعيه وأقر عين الراعي
وهل ارتقت شتى الشعوب، وهل نمت إلا على أيدي الشباب الواعي؟
وكان للشيخ صالح النيفر إعجاب بإمامي الجزائر عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي وإكبار لهما، وعبر عن ذلك بقوله عن أولهما:
لابن باديس بيننا عزمات برضى الله شادها وبناها
عالم جسمه نحيل ولكن شامخات من الهدى أرساها
إن عبد الحميد أحنى رؤوسا كبرت من الضّلال مالا وجاها
أين قوم كان ابن باديس فيهم عصبة برّة بدت تقواها؟
تركوا منهج الإمام فقلنا كيف لين النعيم أوهى قواها؟
وقوله عن ثانيهما:
رزؤنا بالبشير كان أليما إذ فقدنا فيه الكريم العظيما
فقد المسلمون شرقا وغربا في البشير الهمام شهما كريما
فقدوا مدرها خطيبا صوولا فقدوا فيه قائدا مقداما
إن يقل فالفصاح دانوا سكوتا أو ينادي يحرك الأقواما
كان قطب الرّحى قؤولا صؤولا بعلاج النفوس كان العليما
كم بنى للعلوم من شامخات وبنى أنفسا، وأحيا رميما
لم تلن للضّلال منه قناة شدّها الصدق رغم ما كان سيم
في رضا الله كم أصيب ولاقى من أذى آخرا ولا فتى قديما
وجدوا الشيخ حينما أتبعوه عزمة صلدة وجسما سقيما
عذبوا آله الكرام وساموا جسدا ناحلا وقلبا رحيما
داوروه باللين حينا ولكن عزمه ليس يعرف التحطيما
سار في نعشه الملايين تبكي حينما شيعوا الإمام الهماما
ثم وسّدته التراب بكفي شمت في وجهه الجنان المقيما.